توجد مقولة شهيرة تنص على أنه “حين يسقط الضحايا والشهداء لا بد من السكوت”. وعلى النقيض من ذلك، هناك مقولة أخرى تقول: “حين يسقط الضحايا والشهداء يكون الوقت للكلام ولرفع الصوت”. ويبدو أنه مقال المقولات، لذا نتابع…
في ظل الحرب على غزة، ومؤخراً الضفة الغربية، تداولت ثلاث مقولات رئيسيّة حول الوضع الفلسطيني.
المقولة الأولى تزعم أن “إسرائيل لم تحقق أهدافها.” والثانية تشير إلى أن “الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرونه.” أما الثالثة، فتتجاوز القضية الفلسطينية لتشمل اللبنانية أيضاً، مؤكِّدة أن “إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع للاعتداء على الفلسطينيين وعلى اللبنانيين، بل تلجأ إلى الوسائل المتاحة كافة من قتل وتدمير وتهجير ومؤامرات اقتصادية”، واللائحة تطول…
الحكم الأول خاطئ تماماً، ويمكن لأي متابع للأحداث الجارية في غزة والضفة الغربية أن يرى، بوضوح ومن دون الحاجة الى تحليل معقد، حجم ما حققته هذه الدولة العدوانية على أرضنا. إلا إذا اعتبرنا المقاومة غاية في حد ذاتها، بل الغاية الوحيدة، وتجاهلنا أنها وسيلة لتحرير شعبنا من الاحتلال والسيطرة!
أما المقولة الثانية التي تزعم أن الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرونه، فهي ادعاء باطل. فالفلسطينيون يخسرون أرواحاً وممتلكات، والأهم من ذلك، يخسرون حلمهم بإقامة دولة مستقلة. هذا الحلم تلاشى تدريجياً في ظل التركيز على بقاء حركة “حماس” في السلطة في غزة، وكأن هذا هو الهدف الأسمى للشعب الفلسطيني، وليس تحرير أرضه.
أما ما يخص المقولة الثالثة التي تقول إن “إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع للاعتداء على الفلسطينيين أو اللبنانيين”، فهي مقولة خاطئة بالتأكيد، لأن القوى التي تواجه إسرائيل عسكرياً اليوم تخلط بين الذريعة والفرصة السانحة! إن أي عدو مغتصب أو ساعٍ للسيطرة أو طامع في احتلال أرض شعب آخر يحتاج دائماً إلى حجة للقيام بعدوانه وتحقيق أهدافه. فمثلاً، إن عملية 7 أكتوبر، بالشكل الذي تمت به، أعطت الفرصة لاسرائيل لتظهر نفسها أمام العالم بأنها مهددة في وجودها، ما منحها القدرة سريعاً على استعادة الإجماع الداخلي، وفرض ذلك دعم الكثير من الدول الغربية المهمة ومعهم أميركا لها سياسياً وعسكرياً ومالياً، ما مكّن حكومة اليمين المتطرف من خوض هذه الحرب الطويلة التي لم تصل إلى آخر مداها بعد.
ولنأخذ أمثلة أخرى من التاريخ الحديث: هل كان لأميركا أن تضرب اليابان بقنبلتين نوويتين لولا قصف اليابان لميناء بيرل هاربر أثناء الحرب العالمية الثانية؟ وهل كان لروسيا والحلفاء أن يدمروا مدناً ألمانية وأن يدخلوا مع حلفائهم إلى برلين لولا ما فعلته ألمانيا النازية في أوروبا أثناء الحرب؟ وهل ما حصل للعراق كان يمكن أن يحدث لولا احتلال الكويت، من دون أن ننسى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؟
هل كان لإسرائيل أن تدخل لبنان وتحاصر بيروت عام 1982 لولا قصف الصواريخ الذي استمر لمدة 11 يوماً متتالية على مستعمرات الشمال، وتوِّج بمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن؟
مثل أخير، وهو في إطار السؤال أيضاً: “هل كان لاسرائيل أن تعيد احتلال الضفة الغربية وتبني الجدار الفاصل وتقطع أوصال الضفة بالجسور والأنفاق والطرق الالتفافية لولا العمليات التفجيرية التي أخرجت الانتفاضة عن سلميتها؟”.
القصد من كل هذا ليس إسقاط طبيعة العدو العدوانية بقدر ما نفهم أن طبيعة أي عدو لا تحدد وحدها طريقة سلوكه أو رد فعله، بل يحتاج مع طبيعته إلى فرصة سانحة!
وأخيراً، بعيداً عن المزايدات وخطابات التخوين، ما حصل في لبنان وما يحدث حتى اللحظة لم يكن ليحدث لولا إعطاء إسرائيل، العدو، الفرصة السانحة لتنجز ما خططت له منذ حرب 2006 ولغاية الآن. رحم الله مارتن لوثر كينغ حين قال: “إن الحرب هي الإزميل السيء لنحت الغد.”
ولكل المهجرين كلمة نشعر بها وبكل صدق، لمعرفتنا أن البيت هو تلك المسافة اللامتناهية بين أول الإنسان وآخره، ولكن ليس بعقل كهذا تُدار الحروب.


