يرزح لبنان منذ ما يقارب الخمس سنوات، تحت وطأة أزمات اقتصادية متلاحقة، يرتبط معظمها بمناكفات وخلافات سياسية، والبعض الآخر سببه تقصير حكومي وخلل واضح في إدارة شؤون البلاد، إضافة الى عدم إجراء الاصلاحات اللازمة لتحقيق نوع من الاستقرار الاقتصادي، ما أرهق ولا يزال، كاهل لبنان أكثر فأكثر.
وها هي الحرب تتوسع بين إسرائيل و”حزب الله”، ولم تعد الضربات محصورة ببقعة جغرافية محددة، بل اتسعت لتشمل مناطق تستهدف للمرة الأولى منذ 8 تشرين الأول الماضي، وبات الخطر يلاحق المواطن اللبناني في كل المناطق، في ظل الفشل في التوصل الى وقف لاطلاق النار وهو ما يضع مجدداً الوضع الاقتصادي على المحك. فكيف سيواجه اقتصاد لبنان المخاطر المقبلة؟
أكد معهد التمويل الدولي أن “الحرب الطويلة والممتدة ستدمر اقتصاد لبنان المنهك بالفعل، وسيحدث انكماش كبير في الناتج المحلي بحوالي 30% في العام 2024، وسيتسع عجز الحساب الجاري والعجز المالي، وقد تستنزف الاحتياطات الرسمية من النقد الأجنبي، وتتفكك البلاد”.
والانكماش يكون أحياناً مفاجئاً وأحياناً أخرى تدريجياً بالإنتاج، انكماش في الاستهلاك ليذهب نحو الانفاق الأساسي والضروري وليس الترفيهي، وتأثيرات الانكماش بالانفاق الترفيهي يكون على المطاعم وأماكن التنزه والسياحة الداخلية، ويرتفع الانفاق على الاستشفاء لتلبية المصابين، ما ينعكس سلباً على الانفاق على الأمور المنتجة أكثر كالاستهلاك. والانكماش في الإنتاج ينعكس سلباً على الاقتصاد عموماً والناتج القومي ينكمش، بحسب ما يشرح الخبير في الشؤون المصرفية والباحث الاقتصادي محمد فحيلي لموقع “لبنان الكبير”.
ويشير فحيلي الى أن إيجابيات الانكماش خصوصاً في وضع لبنان الذي يستورد جزءاً كبيراً من استهلاكه والمواد الأولية التي تدخل في الصناعة، أن الطلب على الدولار يخف، ما ينعكس استقراراً في سعر صرفه ويبدد أي توقعات باحتمال حصول أزمة في سعر الصرف. واحدى الانعكاسات الإيجابية أيضاً، نتيجة للأزمة الأخيرة، صدور قرار عن المجلس المركزي لمصرف لبنان، سمح بموجبه للمودعين بالوصول الى مبالغ أكبر من ودائعهم المحجوزة من العام 2019، فالمستفيد شهرياً من 400 دولار سيأخذ 1200 دولار بدءاً من 1 تشرين الأول، والمستفيد من 300 دولار سيأخذ 900 دولار، والمستفيد من 150 دولاراً سيأخذ 450 دولاراً.
ويوضح أن ردود الفعل هذه من مكونات الطبقة الحاكمة كتلبية المستشفيات ومعالجة الجرحى على نفقة وزارة الصحة وكل هذه الاستثناءات تأتي في وضع مضطرب، وتكون ردود الفعل هذه إما سلبية أو إيجابية على الاقتصاد. ومن ردود الفعل السلبية، الاسراع الى التموين، والعديد من السوبرماركت فقدت جزءاً كبيراً من السلع الموجودة على الرفوف، لكن مع الأسف عندما كان الدولار مدعوماً في الأعوام من 2019 الى 2022، المواطن لم ينتبه الى تاريخ انتهاء صلاحية السلع، فوجدنا الكثير من البضائع والأدوية مرمية في القمامة، ومستوردو المواد الغذائية وأصحاب السوبرماركت لم يعودوا يستوردون كميات كبيرة من السلع، نظراً الى الظروف الراهنة والقدرة المحدودة على الاستيراد، ففي السابق كانوا يستوردون لسنتين، أما اليوم فالاستيراد يكون لسلع تاريخها صالح لستة أشهر أو سنة كحد أقصى. لذا فالتموين سنشهد تبعاته لاحقاً.
ويضيف فحيلي: “قيمة الناتج المحلي من الصعب ايجاد رقم يعكس حقيقة الوضع، لأن جزءاً كبيراً من الاقتصاد المنتج في لبنان، والاقتصاد الشرعي ولكن غير القانوني، خارج اطار الرقابة والافصاح والتصريح، فمن الصعب وضع رقم وكل الحديث عن حجم الناتج القومي هو بالجزء الأكبر منه ضمن التوقعات، هنالك الكثير من المؤسسات المعتمد عليها اليوم تقول إن الناتج القومي بين 18 و20 ملياراً، وحاليا أشك في هذا الموضوع لأن الاقتصاد انكمش بصورة كبيرة ومؤلمة، والدليل أن موازنة الدولة عام 2024 لم تتعد الـ 4 مليارات، وفي 2023 كانت 3 مليارات، وهو ما يعطي فكرة عن الاقتصاد المعتمد من الدولة لتمويل نفقاتها، وأعتقد أن هذا الانكماش الحاد سيستمر في 2024 و2025، لأن بوادر التوجه نحو اصلاح البلاد وإنقاذها لا تزال مفقودة، بالحد الأدنى على الدولة أن تذهب نحو انتخاب رئيس للجمهورية اذا كانت جدية في انقاذ الوضع الاقتصادي”.
خسائر الحرب في الجنوب
فقد لبنان استقراره النسبي، وعادت الهشاشة المالية من جديد بالتزامن مع المواجهات جنوباً، والتي ما زالت حتى اليوم تدفع بالاقتصاد اللبناني نحو مزيد من التأزم. ووفق تقديرات أولية غير رسمية، نظراً الى عدم القدرة على المسح الميداني الدقيق، فإن إجمالي الخسائر الناجمة عن الحرب في الجنوب، حتى منتصف العام الحالي، تبلغ حوالي 1.5 مليار دولار، مليار و200 مليون دولار منها تشمل دماراً في البنى التحتية والطرق والمباني، فيما تعتبر الخسائر الأكبر للقطاع الزراعي الذي يعد مصدر دخل لـ 70 بالمئة من سكان الجنوب.
وفي هذا الاطار، حذر البنك الدولي من أن إجمالي الناتج المحلي سينكمش بنسبة 0.6 الى 0.9 بالمئة، مُعلناً، في أحدث تقرير له عن لبنان بعنوان: “في قبضة أزمة جديدة” الصادر في 21 كانون الأول 2023، أن اقتصاد لبنان الهش يعاود ركوده من جديد.
حرب تموز 2006
يعيدنا الحديث عن حرب لبنانية-إسرائيلية، الى حرب تموز 2006 بمجرياتها والمعاناة الاقتصادية التي عاشها لبنان بالتوازي مع الحرب، بحيث قدرت الحكومة قيمة الأضرار المباشرة بنحو 2.8 مليار دولار. كما دُمرت جسور وطرق ومدارج طائرات ومرافئ ومصانع وشبكات ماء وكهرباء. وبحسب تقرير أصدرته وزارة المالية، بعد شهرين من حرب تموز، بلغ حجم الخسائر على الاقتصاد اللبناني والمالية العامة حوالي 2419 مليار ليرة (1.6مليار دولار)، من دون احتساب الكلفة الاجمالية لأضرار البنى التحتية وما تحملته الخزينة من نفقات إعادة الإعمار.
وأشار التقرير الى أن “الحكومة نجحت، خلال السنوات التي سبقت وقوع الحرب، في تعزيز الاستقرار المالي والنقدي، وتجلى ذلك في التحسن الملموس الذي طرأ على الفائض الأولي الإجمالي خلال النصف الأول من العام 2006، وقبل اندلاع الحرب وبدء الاجتياح الاسرائيلي، والذي بلغ نحو 994 مليار ليرة لبنانية (660 مليون دولار)، أي بزيادة تجاوزت أربعة أضعاف الفائض الأولي الإجمالي المحقق خلال النصف الأول من العام 2005”. لكن، مع نهاية 2006، تحول الفائض ديناً وصل الى حدود 62 ألف مليار ليرة أي حوالي 41 مليار دولار.
ويستشهد فحيلي بالمثل القائل “لا تهزو واقف عشوار” لوصف الوضع الاقتصادي الحالي الذي “لا يستطيع الصمود، حتى بغياب التحديات التي يواجهها، ومعظم مكونات القطاع الخاص من أفراد ومؤسسات يتنقل بين الألغام ويعيش كل يوم بيومه خوفاً من الإقفال، في السابق كانت الشركات تأخذ فترة ستة أشهر الى سنة لاتخاذ قرار الإقفال، اليوم عندما يجد صاحب مؤسسة أن ايراداته لا تغطي كلفة التشغيل، يغلق المؤسسة في الأسبوع نفسه. الظروف الاقتصادية على الرغم من أن مؤسسات القطاع الخاص أظهرت قدرة استثنائية على الصمود، ولكن للصمود حدود وأعتقد أنه التحدي الأكبر الذي نعيشه في الاقتصاد اللبناني”.
ويلفت الى “أننا صمدنا من 2019 الى 2023 و2024 على أمل أن تتخذ الدولة الخطوة الأساسية لإنقاذ الاقتصاد وسلوك مسار الإنعاش والتعافي والنمو، لكن للأسف، السلطة السياسية فاقدة للإرادة لاتخاذ قرارات من هذا النوع، وأتت حرب غزة وجبهة المساندة من الجانب اللبناني التي زادت الأمور تعقيداً وأثرت سلباً على الاقتصاد عموماً وأفقدت الأمل بإمكان اتخاذ الدولة خطوة باتجاه انقاذ الاقتصاد. التركيز اليوم على وزارة الصحة وكيف ستعالج المصابين، ثم يأتي التركيز على إعادة اعمار المناطق المنكوبة في الجنوب، والتوجه الكبير هو نحو الدول الشقيقة وطلب المساعدة للاعمار. أعتقد أن اليوم كلمة الصمود ليست في التداول الا في القطاع الخاص، فمكونات السلطة الحاكمة لديها لامبالاة ولاأداء، مقابل صمود القطاع الخاص”.
ويؤكد فحيلي أن “مصرف لبنان نجح في الآونة الأخيرة في تكوين ما يقارب المليار ونصف المليار من احتياطي العملة الأجنبية وهو مصدر ارتياح اذا ما استخدم لإعطاء أو ضخ سيولة بيد المستهلك اللبناني، كما فعل في البيان الأخير حيث طلب من المصارف وموّل من الاحتياطي، ثلاث دفعات للمستفيدين من أحكام التعميم الأساسي 158 والتعميم الأساسي 166، وهو إيجابي لأنه في الظروف الاستثنائية اذا احتجنا الى استخدام احتياطي العملة الأجنبية لاستيراد القمح والأدوية والأدوات الطبية وما أشبه ذلك، نعلم أن هنالك أموالاً للاستيراد ولا داعي للقلق، لكن الخطر في مدى القدرة للاعتماد على هذا الاحتياطي بالعملة الأجنبية، فاليوم كل انفاقنا توريطة ومرتبط بالسياسة، حزب سياسي أخذ القرار بدعم الجبهة في غزة، على الرغم من أن العديد من الدول دعمت غزة بطريقة أفضل كالاعتصامات في الجامعات والطرق نقلت القضية الفلسطينية الى العالم بطريقة حضارية، من دون تعريض اقتصاداتها ومجتمعاتها للخطر. لكن القرارات التي اتخذها حزب سياسي معين، ورطت لبنان وفي الأيام الأخيرة ورطت اللبنانيين، لذا نلاحظ استنفاراً 200 بالمئة من كل مكونات المجتمع اللبناني، أفراداً ومؤسسات ومستشفيات ومؤسسات غير حكومية، كلها في حالة استنفار خدمة للحرب، ومعظمها لا ناقة له ولا جمل فيها. وجزء كبير من هذه الاحتياطات التي كونها مصرف لبنان بالعملة الأجنبية سيستعمل لتمويل الحركة الاستثنائية الحاصلة في البلد، وهي ليست استثمارات، بل المصاريف التشغيلية، وانعكاساته سلبية في ظل الأوضاع الراهنة”.
وعن مصير الليرة اللبنانية في ظل تأزم الوضع الأمني في البلاد، يرى فحيلي أنها اليوم عملة “فراطة”، بسبب “عدم توافر القروش بالدولار، حلت الليرة اللبنانية لملء هذا الفراغ، وعندما لا يكون هناك عرض أو طلب (وخصوصاً إستثنائي، أي كبير) على أي نقد بالتداول، لن يتأثر سعر الصرف. الليرة ليست عملة التداول، وليست العملة المختارة وما يحصل اليوم على المشهد النقدي ليس استقرار الليرة اللبنانية، وليس تثبيت الليرة بل تهميش واستبعاد لليرة في التبادل الاقتصادي داخل البلد. إن ضخ الدولارات الاضافية سوف يذهب إما للتخزين لمن أنعم عليه الله بإيرادات بالدولار، أو لتمويل فاتورة الاستهلاك أو النزوح أو الطبابة أو التعليم، ولن تذهب لشراء الليرة اللبنانية ولن تساهم في إستقرار الليرة المهمشة أصلاً وحكماً!”.


