حالة حب في الهند

عبد المنعم مصطفى

فارق كبير بين أن تعيش حالة حب، وبين أن تعيش قصة حب، كلنا اجتزنا حالة، أو حالات حب، لكن بعضنا عاش أو يعيش قصة حب، جربت طويلاً أن أعيش “حالة” حب، يعني حب في المطلق واللامحدود، باتجاه طرف غائب أو غير موجود.

أن تعيش حالة حب، معناه أن تحب مجهولاً، على طريقة ليلى مراد في “الحبيب المجهول”: “عماله أدور عليك، وأتاريك هنا جنبي…”. أما حين تعيش قصة حب، فالحبيب معلوم بالضرورة. والمشاعر ربما امتزجت “بالآهات.. بالنظرات.. باللمسات.. بالصمت الرهيب” كما يقول كامل الشناوي في قصيدته الشهيرة “لا تكذبي”.

في حالة الحب، قد لا تكون هناك قصة، فالطرف الثاني هناك في تهاويم الخيال، أو أنك تراه لكنك لا تملك ما يكفي من “نزق الثوار” لمصارحته، والانتقال من حالة الحب الى قصة الحب.

حملت معي لدى سفري الى الهند مطلع الثمانينيّات، بضعة شرائط كاسيت، مهمتها الأساسية بالنسبة لي كانت ألا أفقد التواصل الروحاني لحظة مع مصر، بكل ما يعنيه هذا التواصل على مدار الساعة.

سكنت في جناح صغير من فيلا صغيرة من طابق واحد، بحديقة صغيرة، كان لي جانب منها مزود بطاولة من البامبو، ومقاعد بامبو بيضاء. نافذة وحيدة تطل من غرفتي على الحديقة.

أسفل النافذة كنت أضع جهاز التسجيل، وأضع فيه شريطاً يأخذني عندما أريد الى حيث أريد في مصر، فأنتقل به بين الحبايب، أصبح وسطهم أحياناً، أنتقي منهم من أريده للصحبة الآنية، وأبعث اليه برسائلي عبر أغنيات أسمعها وحيداً على بعد آلاف الأميال.

لنجاة الصغيرة، أغنية أبدع كلماتها مرسي جميل عزيز، وأبدع تجسيدها موسيقياً العبقري بليغ حمدي، ناظر مدرسة الموسيقى التعبيرية. كنت أضع هذه الأغنية في الكاسيت، وأجلس مسترخياً، في مقعدي البامبو، ممدداً ساقي أعلى طاولة البامبو القريبة، تقول كلمات الأغنية:

يا حبيبي..

إنده علي بهمسة..

إنده علي بهمسة وانت..

حتلاقيني.. حتلاقيني..

بجناحين م الشوق ح اجيلك ..

أجيييلك.. ح اجييلك..

وانت لسه بتناديني يا حبيبي ..

إنده علي تسبقني روحي تسأل عليك

وحياة عنيا لو فوق جروحى لامشي اليك

يا حبيبي أنا في حيرة من غيرك

يا حبيبي أنا في ظلام فين نورك

إنده عليا خليني أعرف طريقي اليك

إنده عليا خليني أعرف حياتي بيك

واجيلك هجيلك هجيلك وانت لسه بتنادينىي

يا حيبيي حبيبي حبيبي

أيام حياتي يا حب عمري بيندهولك

واخاف آهاتي يخونوا صبري ويوصلولك

يا حبيبي أنا الليالي الحلوة

يا حبيبي أنا لحياتك غنوة

إنده عليا خليني أعرف طريقي ليك

إنده عليا خليني أعرف حياتي بيك

واجيلك هجيلك وانت لسه بتناديني

يا حبيبي حبيبي حبيبي..

لم اكن أعيش قصة حب، ولم يكن هذا الحبيب معروفاً عندي، لا صورة له، ولا حالة تصفه لي، لكنها مشاعر حب شفافة في المطلق، مغموسة في حالة شجن، تغذى على شعور بالوحدة. ولهذا كان طبيعياً أن ألتمس ذلك الحبيب المجهول، في نص غنائي لن تتعرف فيه الحبيبة على الطريق الى حبيبها الا عندما ينده عليها، بل انها لن تعرف حياتها الا بعد أن تتعرف على صوته يناديها.

حالة الحب تلك، أوسع ملايين المرات، من أعمق قصص الحب، فهي حب في المطلق، يتغذى على حب المطلق ذاته، مثل حب الله، ومثل حب رسوله، ومثل حب الوطن، هذا “الوطن” تراه أكثر وتحبه أكثر كلما ابتعدت عنه.

نحن كمصريين مرضى بالوطن، هو بالنسبة إلينا، رحم الأم، ونهدها الحنون، وحليبها الدافئ، ومهدها الوثير، وكفها السخي، ولهذا فكلنا أطفال في حب الوطن، نحبه أحياناً، بأنانية طفل، يريده كله لنفسه، أو يريد أن يسبق الآخرين الى نيل النصيب الأكبر منه، يراه جائزة نجاح، أو مكافأة تفوق، أو حصة مستحقة في ميراثه الشخصي، نالها من أجداده الفراعنة عن جدارة واستحقاق.. أليسوا أجداده؟!.. أليس حفيدهم المستحق للإرث ؟!

شعرت بهذا الإحساس المرضي ذاته، في زيارات متعددة لمقابر أجدادي في وادي الملوك بالبر الغربي في الأقصر.. نحن ما زلنا عالة على أجدادنا الفراعنة، نبدد التركة الحضارية التي آلت إلينا، بسفه ظاهر، رأيت حراس المقابر المحظور التصوير فيها أو اللمس، يبيعون حق التصوير، ويبيحون لمس آثار هي قدس أقداس تاريخنا، مقابل بضع جنيهات يتناولها الحارس خلسة من زائر أو من سائح. بل ان بعض المحتالين، كان يعرض على السائحين خفية، بيع قطع أثرية صغيرة يُزعم أنها حقيقية، بل ان بعضهم ينفق أعز سنين عمره في البحث عن آثار الأجداد تحت المنازل وفي الحقول والصحراء المحيطة ببعض المدن، ليحقق ثروة من بيعها لمن يدفع مهما كانت هويته.

حدث ذات مرة، أن تعطلت اللوحة الالكترونية في جهاز التكييف بغرفة نومي، استدعيت فنياً توصلت اليه عبر الانترنت لإصلاحها… قام الرجل بفك اللوحة الالكترونية، وقال انه مضطر الى أخذها معه لاصلاحها أو شراء لوحة بديلة، لكنه غادر واختفى أكثر من ثلاثة أسابيع، كان خلالها لا يرد على الهاتف، على الرغم من إلحاحي المتكرر بالاتصال به أو برقم آخر تمكنت من الحصول عليه، تبين لاحقاً أنه رقم زوجته التي زعمت أنه تعرض لإصابات شديدة اثر انقلاب دراجته البخارية على الطريق الدائري ولا يستطيع الكلام. اضطررت بعد محاولات متكررة لاستعادة اللوحة الالكترونية للمكيف، الى تهديد زوجته، بأنني سأقوم بإبلاغ الجهات الأمنية للقبض عليه حياً أو ميتاً، ما أجبره لاحقاً على الرد وتعهد لي بإصلاح المكيف خلال أيام.

عاد فني المكيفات بالفعل، ومعه قطع الغيار المطلوبة، لكن لم يكن يبدو عليه أي أثر لإصابة أو حادث كما زعمت زوجته. سألته: أين كنت طوال تلك الفترة، قال لي: الكدب خيبة يا باشا، أنا في الحقيقة تعرضت لتجربة غريبة، بعدما عرض علي بعضهم الدخول في بيزنس الآثار! جاءني أحدهم وقال ان أحد العرافين (المشايخ) تمكن من تحديد موقع أثري تحت الأرض في كفر الشيخ، وعرض علي مشاركته في الحفريات والبحث على أن نقتسم لاحقاً قيمة ما نبيعه من الآثار التي نعثر عليها، وبعد أيام من الحفر الدقيق عثرنا على عتبة فرعونية عبارة عن لوح حجري يحمل نقوشاً فرعونية لا يزيد طوله على ٩٠ سنتيمتراً، لكننا أخفقنا في بيعها بالسعر الذي نريده، واختلفنا سوياً فاضطررنا الى كسر اللوح وتقسيمه في ما بيننا، وحصلت على جزء من العتبة ذات النقوش الفرعونية، حملته وعدت الى بيتي في حدائق القبة، وأخفيته في مكان آمن بالبيت من دون علم زوجتي، لكن البيت “اشتعل حريقة يا باشا” وكدت وزوجتي أن نصل الى الطلاق بسبب خلافات شديدة جداً لأسباب تافهة جداً. تركت زوجتي البيت وذهبت الى بيت أهلها، وبدأنا مفاوضات الطلاق، وفي تلك الأثناء اصطحبني أخي الأكبر الى أحد المشايخ العارفين بالله، الذي طلب مني التخلص من شيء غريب أو مريب أدخلته الى بيتي في الآونة الأخيرة، قلت له: لا أدري عن شيء مريب في بيتي. لكنني قلبت البيت رأساً على عقب بحثاً عن هذا الشيء الغريب، فلم أجد سوى اللوحة الأثرية التي حصلت على حصتي منها. حملت اللوحة وعدت بها الى شريكي في عملية التنقيب عن الآثار، وتنازلت له عنها… “تصدق وتآمن بالله يا باشا، أنا رجعت اللوحة من هنا ورجعت البيت لقيت مراتي وعيالي رجعوا، وحياتي رجعت كما كانت!”.

لا أعرف، مدى صدق رواية فني المكيفات، لكنني أعرف أن بعض أحفاد الفراعنة، لا يترددون في بيع تراث الأجداد، باعتبارهم أصحاب حق وورثة شرعيين!

شارك المقال