ينقسم الرأي العام الطرابلسيّ اليوم، حول قضية العودة إلى المدارس وحضور الطلّاب الإلزاميّ فيها خصوصاً في زمن الحرب الذي لم يلتزم فيه بعض المدارس الخاصّة بقرارات وزير التربية عبّاس الحلبي إلّا “بطلوع الروح”، ما دفعه بعد ضغوط عدّة إلى فتح أبواب المدارس على مسؤوليتها “الخاصّة”، في وقتٍ لا تتمكّن فيه المدراس الرسمية من فتح أبواب التعليم فيها بسبب استقطابها لآلاف النازحين، ما يمنع التلاميذ من التعليم الذي حُرموا منه أساساً منذ العام 2019، أيّ منذ اندلاع الثورة، الأزمة الاقتصادية، انتشار كورونا، ووصولاً إلى الإضرابات التي لم تُثمر نتيجة حتّى اللحظة.
ولوحظت منذ أيّام، متابعة الأهالي الحثيثة شمالاً لوضع المدارس ومصيرها، لا سيما الأمّهات اللواتي يقلقن على مصير أبنائهنّ من أيّ ضربة متوقّعة في أيّ منطقة. وتقول مديرة إحدى المدارس الطرابلسية الخاصّة لـ “لبنان الكبير”: “الأمّهات يتصلنّ بي طيلة أيّام الأسبوع، ويسألن عن توقيعنا على التعهّد الوزاريّ لاستئناف التعليم، وفي الواقع، قمنا بإجراء استطلاع للرأيّ قبيْل يوم أو يومين من العودة، وأتحنا أمام الأهالي الفرصة للاختيار بين التعليم الحضوري والأون لاين، لكنّ معظم الأهالي اختار الحضوريّ، وكان يوم الاثنين هو يومنا الأوّل وسجّلنا غياب عشرات التلاميذ الذين لم تُرسلهم أمهاتهم خوفاً من الحرب (خصوصاً بعد ضربة البداوي والقلق من التوسع)، وربما هناك أسباب أخرى سنستعلم عنها لاحقاً، فمثلاً في الصف الحادي عشر، لم تُبادر عائلة تلميذة الى تسجيلها أساساً وسافر أهلها منذ فترة وتركوها في لبنان مع جدّتها الكبيرة في السنّ، وليس هناك من يُسجّلها، ما يُعرقل انضمامها إلى الصفوف حالياً”.
ناظرة في مدرسة أخرى، تُؤكّد هروب عشرات التلاميذ من الوضع المدمّر أخيراً عبر البحر أو البرّ، وتقول لـ “لبنان الكبير”: “أخبرتني أكثر من عائلة، أنّها مضطرة الى التوجّه خارج لبنان واصطحاب أولادها معها، تماماً كما فعل بعض المغتربين الذي طلب أولاده من لبنان، وحبّذ استكمالنا التعليم عبر الأون لاين لا حضورياً مع التخفيف من أقساطنا أو إعادة النّظر فيها، فيما يُفضّل آخرون، عدم العودة إلى الدراسة بتاتاً، وأبلغونا هذه الرغبة حرفياً، لأنّهم مقتنعون بأنّ التعليم في هذه الظروف لا ينفع، لكنّه قائم في ظروف مستقرّة أمنياً شمالاً”.
وبعد فشل محاولاتها الهروب من لبنان مع أولادها بسبب انتهاء صلاحية جواز سفرها، تكتم أم ياسر (37 عاماً) غيظها بسبب العراقيل أو فرض مدرسة أبنائها الخاصّة (في الميناء) العودة حضورياً، وتوضح لـ “لبنان الكبير” أنّها صوّتت ضدّ هذه العودة إلّا في حال استكمالها افتراضياً، “لكنّ المدرسة تُريد أخذ أقساطها القادمة بعد حصولها منذ شهر تقريباً على أكثر من ألف دولار، وأتوقّع قيامها بالتدريس لأسابيع أو لأيّام ليتدهور الوضع بعدها أكثر، فتأخذ ما تُريد وتدفع للأساتذة وتسترزق على حساب أرواح أولادنا، لذلك أعاني وشقيقتي من هلوسات تعليمية لا سبيل للخروج منها”.
وكانت رابطة “المؤسسات التربوية الثانوية الخاصّة” في طرابلس وضواحيها عقدت جلسة استثنائية لمتابعة أوضاع المدارس. وأكّدت في بيانها أنّه بُناء على مسؤوليتها التربوية من جهة، والاستقرار الأمني الملحوظ في مناطقها من جهة ثانية، قررت فتح جميع مدارسها للتعليم الحضوري يوم الثلاثاء 2024/10/8 وفق البرنامج الخاص الذي ستُعلن عنه كلّ مدرسة”، مشدّدة على أنّ “استمرار عملية التعليم يُعتبر نوعاً من أعمال الصمود في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادنا ويضمن قيام مدارسنا بدورها الوطني والتربوي”.
إلى ذلك، اعتبر الكثير من الأهالي أنّ الواقع “الحربي” يستنزف التعليم الرسميّ ولا يُنصف أبناء المؤسسات التعليمية الحكومية. وفي دردشة مع “لبنان الكبير”، يقول موظف في مدرسة اتُخذت كمركز للإيواء في طرابلس: “نرفض خسارة العام الدّراسي، فقد درسنا في الحرب الأهلية تحت الرصاص والقنص، لكن لم يكن من المفترض صراحة أنْ تتحوّل كلّ المدارس الرسمية إلى وجهة للنازحين، فعلى الرّغم من الظروف الصعبة، إلا أنّ الواقع يستوجب منا التفكير بأنّ المدراس ليست للمنامة، وأنّه يُمكن استكمال التعليم لكن بعد تقسيم التوقيت بين دراسة قبل الظهر لأبناء المدينة، وبعد الظهر للنازحين مثلاً كيّ تسنح الفرصة للجميع للتعلّم، لكن حينما يسمح للمدراس الخاصّة بالمتابعة، وتُنسى الرسمية منها، فهنا بتنا نتحدّث عن كارثة تربوية قادمة وليست الأولى من نوعها على طرابلس”.


