من يحرّض على الموت من خلف الشاشات؟

فاطمة البسام

تحاصر اللبنانيين حرب من كل الأشكال لم تعد تقتصر على الأسلحة والذخائر الحربية، فمع التطوّر الالكتروني والتكنولوجي يمكن القول إننا تخطينا الحرب التقليدية بأشواط، فليس من الضروري أن تكون مكان الاستهداف لتصيبك شظية، لأن التغريدة الوهمية والتعليقات التحريضية تصيبك أينما كنت، وتعرّض حياتك للخطر، فتتحوّل من مواطن عادي إلى هدف إسرائيلي مؤجّل.

لن نعود سنة إلى الوراء من عمر الحرب لنستعرض كلّ الأخبار والاتصالات الكاذبة التي وصلت إلى المواطنين بهدف ترهيبهم ودفعهم الى ترك منازلهم، يكفي أن نتحدّث عن المرحلة المتقدّمة التي وصلت إليها لغة التحريض على القتل من حسابات وهمية، وأخرى حقيقية.

فقبل أيام نشر شخص “لبناني” مقيم في كندا تغريدة حول وجود مخازن لـ”حزب الله” في بلدة القماطية في جبل لبنان، وأرفق التعليق بعنوان مفصّل عن المكان الذي يعج بالسكان المحليين والنازحين. حساب وهمي آخر ظهر أيضاً على منصة “إكس” يشير إلى أن “حزب الله” يخزّن “صواريخ دقيقة”، في جرود منطقة جبيل.

أم محمد وهي نازحة من الضاحية الجنوبية إلى بلدة القماطية التي تعرّضت لاستهداف اسرائيلي قبل أيام، تقول لموقع “لبنان الكبير”: “هربنا من الموت، فلحق بنا الموت إلى هنا”.

وتضيف: “وصلنا المنشور الذي يدعي فيه أحد الأشخاص وجود أسلحة وذخائر للحزب في الحي الذي نزحنا إليه، فأصبنا في حالة رعب شديدة خصوصاً مع وجود الأطفال، إلاّ أننا بقينا، لأن لا مكان آخر نذهب إليه، فلم يعد هناك ملاذ آمن”.

وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، يوضح خبير في الأمن السيبراني، أن هدف هذه الحسابات هو فتنوي بالدرجة الأولى، وهي تنقسم إلى حسابات وهمية، شبكات منظّمة، وحسابات حقيقية تم توظيفها لهذا الغرض، وطبعاً هناك مشغّلون لها يعملون وفق أسس نفسية بهدف التأثير بصورة أكبر.

وينصح الخبير بعدم اعتماد المواطن هذه الحسابات كمرجع أو مصدر للأخبار، وعدم التفاعل معها، لأن التفاعل يزيد إنتشارها، مشيراً الى أن الوعي نتيجة الخوف ارتفع عند الأشخاص، “وهذا المطلوب، أن نخاف بحذر وليس بهلع”.

وللتحقق من هذه الحسابات، يمكن للمواطن العادي مراجعة تاريخ إنشاء الحساب، شبكة المعارف والمحتوى، فالصفحات “المثيرة للجدل” يكثر إنتشارها في النزاعات والخضّات الأمنية، بحسب الخبير.

ويؤكد مصدر أمني لموقع “لبنان الكبير”، أن الجهات المعنية تقوم بملاحقة الأفراد الذي يقفون خلف هذه الصفحات، وهناك عدّة بلاغات في هذا الصدد، وتم توقيف ثلاثة أشخاص كانوا ينشرون التهديدات والأخبار الكاذبة التي أرعبت المواطنين في الفترة الأخيرة.

وبحسب المصدر، ارتفع عدد الجرائم من هذا النوع بصورة ملحوظة، إلاّ أن لا رقم محدداً. ويشير إلى أن كل الحسابات قابلة للملاحقة ولو كانت وهمية، إلاّ أنها تحتاج إلى وقت، والجهات المسؤولة تتحرك مباشرة عند التبليغ، فهي لا تمتلك “جيوشاً الكترونية لملاحقة كلّ الصفحات والتعليقات”.

ووفق المحامي فاروق المغربي لموقع “لبنان الكبير”، فان هذه الحسابات تشجع على القتل، وتمس بالأمن الوطني، وليس بعيداً أن تكون مرتبطة بالموساد بصورة مباشرة، فمثلاً التعليق الذي تداوله أحدهم عن جبيل وتحديداً منطقة لاسا، أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 3000 شخص في اللحظة نفسها، ولا يمكن الاستخفاف بهذه الأمور التي تخطّت مرحلة “المزحة الثقيلة”.

كما دعا المغربي المؤسسات الأمنية الى التشدد في عملها، لأن من غير المسموح أن يقتل الأبرياء بسبب التحريضات والأخبار الكاذبة.

وصدر عن وزير الاعلام زياد المكاري بيان أشار فيه الى أن “وزارة الإعلام تجد نفسها مرة جديدة مضطرة إلى تذكير وسائل الاعلام والمواقع الإلكترونية كافة بضرورة التبصر ومحاذرة الانزلاق إلى الفتن وتعريض السلم الأهلي في زمن الحرب”، منبهاً على أن “أي خبر تعوزه الدقة أو يفتقر إلى الصحة في هذا الظرف الكارثي، يخلف حتماً بلبلة وخوفاً واستياء عارماً، وقد يبلغ حد الفتنة”.

أضاف: “إن وزارة الاعلام تفيد بأن المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع يقوم بما عليه في هذا المجال، والوزارة لا توفّر جهداً للتدخل الايجابي حيث يلزم، وهذا بالضبط ما تفعله كلما اقتضى الأمر. الا أنه نظراً إلى الظروف الراهنة، لا يمكن السكوت عن أي خبر يورّط البلد في فتنة ويعرض السلم الأهلي وحياة المواطنين لأخطار نحن في غنى عنها في هذا الظرف الكارثي”.

وأكد أنه “سوف تتخذ من الآن فصاعداً الاجراءات الواجبة في حال عدم توخي وسائل الاعلام الدقة في أخبارها وعدم مراعاتها ما يعيشه البلد من حرب تقتضينا التروي والحكمة بدل الإثارة والتسرع، وذلك التزاماً بالمادتين ٢٩٥ و٢٩٦ من قانون العقوبات، واللتين تنصّان على معاقبة كل من يضعف الشعور القومي أو يوقظ النعرات أو ينقل أخباراً كاذبة أو مبالغاً فيها في زمن الحرب”.

شارك المقال