في الطريق الى مدرسة أبي الفرج الابتدائية المشتركة، أمر بمسجد ومقام سيدي الحلي، لا أعرف شيئاً عن صاحب المقام، ولا لماذا هو صاحب مقام، لكن فضولي كان يشتعل وأنا أطل من فتحات سياج معدني يحيط بالضريح، لأرى ستائر حريرية خضراء، تخفي تحتها شاهداً لقبر، يعتقد زواره أن جسد سيدي الحلي يرقد تحته في أمان.
البسطاء يتبركون بصاحب المقام، وينذرون من أجله النذور، فيما تحمل النسوة الراغبات في الحمل أو في الزواج، بعض الشموع يهدونه الى صاحب المقام، الذي كنت أتلصص عليه بفضول طفل من بين فتحات في السياج المعدني المحيط به.
يقسم بعض سكان تلك المنطقة، بمقام سيدي الحلي للتدليل على صدق الوعد أو القول أو الفعل، ويقيمون مولداً سنويا لصاحب المقام، شاهدت فيه عن قرب كل ما عرضه لاحقاً صلاح جاهين وسيد مكاوي في أوبريت “الليلة الكبيرة”، من أول الراقصة، وحتى سرادق مغلق تجرى داخله عمليات الختان للبنين فقط، والتي تلصصت عليها مراراً من فتحات في السرادق، لأتعرف على أسرار حصان الاحتفالات بمن صمدوا من دون صراخ أثناء عملية الختان، إذ كان الأب يحمل طفله المختتن ويركب حصاناً يطوف به في دائرة يصنعها فضول المارة، بينما تدق الدفوف والمزمار احتفالاً بشجاعة الطفل المختتن.
كان لافتاً وقتها أن أرى وأنا بعد في الصف الأول الابتدائي، بعض من يعرضون ويبيعون صوراً وأعمالاً فنية ملونة، لبعض أئمة الشيعة، والحسن والحسين حفيدي رسول الله، كانوا يعلقونها قرب سور مدرستي، كان المجتمع متسامحاً مع عرض تلك الصور، كما كان متسامحاً مع الأديان والطوائف والملل والنحل كافة.
في محيط سيدي الحلي قامت مشاريع استثمر فيها أصحابها فرصة وجودهم قرب صاحب المقام، معمل للترمس، ومطعم يبيع السمك المقلي “كل وبرق لي” ومسمط تفوح منه رائحة الكوارع، ولحمة الرأس والكرشة والفشة والممبار والفتة بالخل والثوم، وعلى ناصية أخرى تقود الى مسجد سيدي الحلي، دكان متعدد الأبواب يقوم بإعداد مشروب البوظة، وهو مشروب مسكر يتعاطاه السوقة والفقراء الذين أدمنوا الغياب عن واقعهم، ويجري تقديم البوظة في أواني جرى استخلاصها من ثمار جوز الهند يقولون عنها “القرعة”، وقد اعتاد العربجية الذين ينقلون الخضروات والفاكهة من سوق روض الفرج شراء قرعة بوظة يقدمونها للحمار أو البغل معتقدين أنها تعين الدواب على الشغل الثقيل.
وقبالة المسجد والمقام، مخزن كبير لقطع الغيار والخردة يحمل لافتة “قسيس موسى سليمان وأبناؤه” وهم من كبار تجار الخردة في وكالة البلح الآن.
ما إن ينتهي الشارع حتى أصل الى المدرسة، مبنى يشبه القصور القديمة، احتاجت شقيقتي الكبرى الى خطاب توصية من عميد الأدب العربي د. طه حسين، حتى يمكنها الالتحاق بها، ثم التحقت أنا بالصف الأول الابتدائي في المدرسة نفسها، بعد عام قضيته في حضانة مدارس النصر الخاصة.
حملني الذهاب اليومي الى المدرسة، الى قلب منطقة روض الفرج على مقربة من شبرا، كانت المسافة من المنزل الى المدرسة لا تزيد على كيلومتر واحد، كنت أشعر خلالها طول الوقت أنني أتحرك بين غرفتي والصالة، فكل من أمر بهم في طريقي يعرفونني، ويعرفون بيتي وأسرتي، وهم مستعدون دائماً للسهر على سلامتي، وتلبية ما قد أحتاج اليه. اكتشفت لاحقاً أن المسألة لم تكن مجرد إحساس فمعظم سكان شارع ترعة جزيرة بدران والمناطق المتفرعة عنه هم بالفعل أقارب لي بشكل أو بآخر. كان معظم البيوت يعود الى أقارب لأسرتي أو أصهار، أو تربط بينهم وحدة المنشأ (بلديات).
وأذكر قبل أكثر من نصف قرن، قبل زمن الكمبوندات الذي نعيشه راهناً، أن كان هناك أكثر من كمبوند في الجوار، كان يطلق عليها آنذاك كلمة “حوش” وهو عبارة عن مجموعة بيوت داخل قطعة أرض مستطيلة أو مربعة، تقوم فيها البيوت على هيئة مربع ناقص ضلع ويتوسطها فناء فسيح تقود اليه بوابة واحدة يتعين على السكان اجتيازها للدخول الى بيوتهم، كان أشهر هذه الكمبوندات خلف بيتنا، حوش مرسي خليل، وحوش الأفوكاتو، كانوا ينطقونها “أبوكاتو”.
أمضيت عامي الدراسي الأول بمدرسة أبو الفرج الابتدائية، وفي العام التالي (١٩٥٨) كان برنامج جمال عبد الناصر لبناء مدرستين كل ثلاثة أيام، قد ظهرت نتائجه، وتم افتتاح مدرسة جديدة تبعد حوالي ثلاثمائة متر عن مدرستي الأولى، كان اسم المدرسة الجديدة هو “مدرسة اليازجي”، كان المبنى جديداً وجميلاً، وقد جرى تزيينه بلوحات فنية لرسامين مصريين مبدعين.
في أول أيام الدراسة اتخذت مقعدي في الصف الأمامي الأول من الخط الأوسط بالفصل، أمام هذا المقعد هناك منضدة خاصة بمعلمة الفصل “أبلة زينب” تضع فوقها حقيبة يدها ودفتر التحضير وبعض كتبها. أثارت كتب “أبلة زينب” فضولي فرفعت رأسي لأطالع عناوينها في اللحظة نفسها التي استدارت هي فيها لتسأل تلاميذها عما كتبته على السبورة، لاحظت انشغالي عنها بمطالعة عناوين كتبها، فسألتني متهكمة: انت بتبص على ايه؟! دي كتب الكبار.. فاهم أوي يعني ولا بتعرف تقرأ؟! أجبتها محتقناً تختنق العبرات الخجولة في عيني: نعم أستطيع قراءة أي كتاب. ردت بتحد: طيب اطلع هنا واقرأ من كتابي أمام زملائك.
غادرت مقعدي وفتحت هي الكتاب من منتصفه وطلبت مني أن اقرأ بصوت مسموع، فقرأت حتى طلبت مني التوقف قائلة: كفاية كده برافو عليك. ثم حملتني لأقف فوق منضدتها، وطلبت من التلاميذ أن يصفقوا لي. بعد أيام تحولت الى فرجة، تحضر المدرسات الى الفصل عندنا ليتفرجوا عليها، ما أكسبني ثقة مبكرة، صاحبتني خلال معظم مراحل الدراسة، وإن اهتزت على فترات متقطعة، عندما بلغت طور المراهقة.


