لا تمر بخاطري ذكريات الطفولة والشباب في شبرا، من دون أن يعاودني الحنين الى كنيسة القديسة تريزا، أو كما يسميها الشبراوية سانت تريزا، فقد شكلت تلك الكنيسة الرائعة جانباً من وجداني في مرحلة الصبا، اذ كنت أرى فيها مضخة للأمل، وفناءً رحباً للتسامح. كنت ورفاقي بمدرسة النهضة العربية الاعدادية بشارع راتب باشا، نعرج على الكنيسة في طريق عودتنا الى منازلنا بعد انتهاء اليوم الدراسي، وكنت أحرص على الاحتفاظ في جيبي بقطعة عملة فضية فئة خمسة قروش، يطلق عليها المصريون “شلن”، أضعها قرب صندوق فضي يعلو صندوقاً زجاجياً كبيراً يتمدد داخله تمثال رائع يجسد القديسة تريزا.
كنا مجموعة أصدقاء مسلمين وأقباط، نتفاءل بمحاولة لصق قطعة العملة المعدنية في الصندوق الفضي الذي ترقد تحته سانت تريزا، فإن التصق الشلن ولم يقع، كان ذلك علامة على أن أمانينا سوف تتحقق. هكذا قيل لنا آنذاك، وكان لدينا ميل لامحدود الى تصديق تلك المقولة.
لم تخذلني سانت تريزا في أي وقت، كنت أجتاز اختباراتي الدراسية بتفوق، أستمد منها بعض دوافعه، وكان الشلن الفضي الذي أمتحن به آمالي فوق صندوق القديسة تريزا، لا يخذلني هو أيضاً، فكان يلتصق بالصندوق ولا يسقط الا إذا سحبته بيدي.
في غير أيام الدراسة، اعتدت أن أذهب إلى سانت تريزا، عقب أداء صلاة الجمعة بمسجد الخازندارة، كنت أتلصص بإعجاب الى كرسي الاعتراف داخل الكنيسة، كان كرسياً وثيراً، داخل غرفة لا تتجاوز مساحتها متراً في متر تغطي بابها ستائر حمر وثيرة من القطيفة الغنية، وعلى جانبه الأيمن نافذة أرابيسك صغيرة تسمح للقس الذي يجلس في الغرفة المجاورة بالإنصات ولا تسمح له بالرؤية. تمنيت أن أجلس على كرسي الاعتراف ولو مرة واحدة، وبحت برغبتي لقس الكنيسة الذي كان يتابع زيارتنا لها ويعرف أننا مسلمون، داعبني الرجل وأذن لي بالجلوس على كرسي الاعتراف، شعور بقداسة شديدة الوطأة اجتاحني وأنا أكتشف خوفي من الاعتراف لنفسي أمام نفسي، دفعني الى مغادرة الكرسي وإزاحة الستار، لحظات فوق كرسي الاعتراف أيقظت ضميري المسلم، وأتاحت لي تجربة، أصبحت أتجنب تكرارها، لم يكن لدي ما أخشى البوح به فوق كرسي الاعتراف، لكنني تعلمت من لحظات خاطفة فوق هذا الكرسي، أن الأفضل من الاعتذار عن الخطأ هو أن نتجنب ارتكابه.
بين الشيخ نصر الدين طوبار بمسجد الخازندارة، وبين قساوسة كنيسة سانت تريز وشمامستها، تنقلت آذاننا بين تواشيح المسجد وترانيم الكنيسة، من دون أدنى شعور بالخوف أو بالذنب أو بالكراهية للآخر.
في يوم شم النسيم، كنت أتأفف من تناول الفسيخ والملوحة، لكنني كنت مع ذلك أَجِد متعة كبيرة في مشاهدة الأسرة وقد التفت حول طبلية عامرة بالفسيخ والملوحة والسردين والرنجة، يأكلون بتلذذ ملحوظ، أما متعتي في يوم شم النسيم فكان أقصاها أن أذهب الى كنيسة سانت تريز أشتري زهور الورد البلدي من باعة السعف أمام أبوابها، وأطوف داخل الكنيسة مستمتعاً بالعيد، وبمجسم داخلها لمغارة تروي قصة ميلاد السيد المسيح عليه السلام.


