إياكم والفتنة… فهي مفتاح الانتصار للعدو الصهيوني!

زياد سامي عيتاني

كرامة الإنسان يصونها مسكنه، حتى ولو كان عبارة عن “غرفة من التنك”. كذلك فإن أكبر مذلة ومهانة يشعر بها رب أسرة، عندما يضطر مرغماً الى أن يبحث عن مأوى لعائلته، بعدما يكون قد تهجر من منزله، إما لتدميره من العدو المجرم، أو بحثاً عن الأمان لأفراد عائلته، بعيداً عن الهمجية التي يعتمدها العدو في قصفه التدميري، الذي لا يوفر الحجر ولا البشر.

هذا الواقع الذي تدمى له القلوب وتتكسر بكل أسى ومرارة، بات ينسحب على ما يزيد عن ربع سكان لبنان، الذين يبحثون عن حضن دافئ يأويهم وعائلاتهم، بعدما تركوا في قراهم وبلداتهم جنى عمرهم، وخرجوا بالثياب التي تكسو أجسادهم المتعبة والمنهكة، هرباً من الموت المحتم، مهاجرين كأسراب الطيور في غير مواسمها الى البعيد، قاصدين المجهول، علهم يجدوا مساحة للحياة تحمي نساءهم وأطفالهم وكبار السن… يقطعون المسافات المليئة بالمخاطر، وتلال البيوت والمباني المدمرة والسيارات المحترقة، خائفين مضطربين مذعورين، فلا يجدون وجهة أمامهم يطمئنون إليها، سوى “أميرتهم” بيروت، صاحبة القلب الكبير، حاضنة الوطن والمواطن، التي فيها ملامح جنوبية وشمالية وبقاعية وجبلية وساحلية، واثقين أنها ستفتح لهم قلبها قبل بيتها، وتضمهم بحنان الى صدرها الدافئ بالحب والعطاء، لأنهم يدركون أنها لا تختزن في ثناياها الا الحب والتسامح والترفع.

وعندما حطت أقدامهم بيروت، وجدوها تصرخ غضباً لما حلّ بهم، وتبكي حالهم، وتتألم لأوجاعهم وآلامهم، حاملة منديلها الأبيض لتسمح دموع الأطفال وتزيل الغبار عن وجوه الكبار، وتلملم وترمم القلوب الممزقة والمتكسرة… عندها، إطمأنوا وتنفسوا الصعداء، وشعروا بقيمة الوطن والمواطنية، عندما وجدوا في بيروت من يهبون لنجدة أهلهم وشركائهم في الإنسانية والوطن، في أوقات المحن والمصاعب والمصائب، ويقفون الى جانبهم عند الشدائد.

هذا واجب بيروت الانساني والأخلاقي والوطني والقومي، فهي مهد المقاومة ضد العدو الصهيوني عام ١٩٨٢، عندما حوصرت بأطنان من البارود والنار، وسط حصار مطبق، لا ماء، لا كهرباء ولا دواء، قصف ودمار وسحب غبار، حرائق ونيران وأعمدة دخان، رائحة الموت تقطع الأنفاس، بقع دماء تملأ الأرجاء، جثث ممزقة وأشلاء، لكنها، على الرغم من كل هذه الأهوال، فإنها ما عرفت الهوان ولا الخنوع ولا المهانة ولا الإنكسار، بل تمردت وعصت وكابرت وقاومت وصمدت ونازلت، فمن مناطقها وحاراتها وأزقتها، خرج شبابها وفتيانها، بصدروهم العارية، وهاماتهم المنتصبة، وقبضاتهم المرتفعة، وصلابتهم، وعزيمتهم، وشجاعتهم، خرجوا إلى معابرها وبواباتها، ذوداً عن معشوقتهم وحضنهم الدافئ، وجعلوا منها ثغوراً للرباط، فكانت الملحمة البطولية الأسطورية، التي هزمت أكذوبة “الجيش الذي لا يقهر”.

هذا هو وجه الشبه والتوأمة في الهوية والتاريخ والنضال والإنتماء بين بيروت والجنوب، المعمّد بالدماء الطاهرة والزكية، التي باركت تراب الوطن، حتى يزدهر عنفواناً وعزة وكرامة، سيبقى التاريخ شاهداً على مجده وسؤدده. لذلك، فإن الواجب الوطني في خضم الصراع المجيد مع عدونا التاريخي والإاستراتيجي والمصيري، يقتضي أن نصون وحدتنا وجبهتنا الداخلية ونحصنهما ونحافظ عليهما، حتى لو كانا كالجمر بين أيدينا، ونقطع أيادي الفتنة السود، التي تخدم العدو الصهيوني من خلال إحداث الإنقسامات، لتفكيك تماسك الجبهة الداخلية، التي هي الظهر الصلب كالصخرة، حيث تتكسر عليها المخططات الإسرائيلية.

دقة المرحلة وحساسيتها، لا مكان فيها للطفيليين والموتورين والفتناويين والفئويين، أصحاب القلوب المثقلة بالحقد والكراهية، ما يقتضي من الجميع الإرتقاء الى مستوى المسؤولية الوطنية، لوأد أي فتنة في مهدها، تحصيناً لساحتنا الوطنية، ولقطع الطريق أمام من يحاول إستجرار اللبنانيين الى الفتنة البغيضة، تحقيقاً للمآرب الاسرائيلية. إياكم والفتنة.. فهي مفتاح الإنتصار للعدو الصهيوني!

شارك المقال