إذا كان “مؤتمر باريس” قد نجح في جمع مبلغ 800 مليون دولار لصالح لبنان، فإنه في المقابل لم يتمكن من التوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار بين “حزب الله” والعدو الاسرائيلي، بحيث بدا أن المؤتمر لا يملك أي صلاحيات للضغط من أجل تنفيذ القرار 1701 الصادر بعد حرب 2006، الذي ينص على منع أي وجود مسلح خارج إطار الجيش اللبناني في الجنوب، ويطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية كافة ووقف انتهاكاتها لأجواء لبنان. فقد نجح المؤتمر الذي شارك فيه نحو 70 وفداً حكومياً و15 منظمة دولية، في جمع نحو 800 مليون دولار كمساعدات إنسانية، إضافة إلى نحو 200 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني لوجيستياً، وفق ما أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في وقت تشهد البلاد هجوماً إسرائيلياً تدميرياً وتهجيرياً، تسبب في نزوح 1.4 مليون شخص، وتسجيل قرابة 3 آلاف ضحية بين قتيل وجريح.
وتجدر الاشارة إلى إن ما تم الاتفاق عليه مجرد وعود، ولاحقاً سيتم وضع آليات التنفيذ والكيفية، وتحديد الجهات التي ستقوم بالتنسيق بين المانحين والمنظمات الدولية والدولة اللبنانية. وقد لا يكون جمع مبلغ 800 مليون دولار لصالح الحكومة اللبنانية في الحرب الدائرة هو الحدث الأبرز في مؤتمر دعم لبنان الذي عقد في باريس الخميس، على الرغم من حاجة البلاد الى تلك الأموال في ظل استمرار الحرب الدائرة، إذ ان أهمية المؤتمر تكمن بحسب مصادر ديبلوماسية في إعادة تجديد الثقة بالمبادرة الأميركية الفرنسية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، وهو الأمر الذي أكده وزير الخارجية الفرنسي الذي شدد على أن هذه المبادرة لا تزال تشكل الأساس للوصول إلى الهدنة المرجوة. وشكلت المبادرة المنطلق الرئيسي لمؤتمر باريس الذي غاب عنه وزراء خارجية الدول التي تشكل ثقلاً في الملف اللبناني، خصوصاً أن الورقة الختامية للمؤتمر أعادت التذكير ببنود المبادرة المتعلقة بوقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع وتطبيق القرار 1701.
وإعادة تعويم المبادرة الفرنسية الأميركية بهذا الشكل الجديد، تأتي بعدما غابت عن التداول منذ اغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله الشهر الماضي لصالح مطالب إسرائيلية أكثر تطرفاً حملها المستشار الأميركي لشؤون الطاقة العالمية آموس هوكشتاين إلى المسؤولين اللبنانيين في زيارته الأخيرة قبل أيام.
إذاً، على الرغم من تحقيق “مؤتمر باريس” نجاحاً في حشد الدعم الدولي الانساني للبنان، إلّا أنه كان بعيداً تماماً عن أي تأثير على مستوى وقف إطلاق النار، وذلك بفعل وجود اختلافات في وجهات النظر بين باريس وواشنطن بشأن تطبيق القرار 1701، ففي حين تطالب فرنسا بتطبيقه من دون أي تعديل، تسعى الولايات المتحدة إلى إدخال بعض الملاحق عليه، تطلب من خلالها السماح لإسرائيل بمواصلة التحليق الجوي فوق الأراضي اللبنانية لمراقبة أي محاولات لإعادة تسليح “حزب الله”، ومنح القوات الدولية “اليونيفيل” صلاحيات أوسع للتفتيش عن الأسلحة في المناطق الحدودية مع إسرائيل.
ويتطابق الموقف الرسمي اللبناني الذي عبّر عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إلى حد كبير مع الرؤية الفرنسية، فالحكومة ترفض المساس بالقرار 1701، كما ترفض أي تعديل لمهمة “اليونيفيل”، وتطالب بدعم الجيش اللبناني لكي يتمكن من بسط سيادة الدولة على أراضيها كافة، ولا سيما المنطقة الجنوبية. وسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى تقديم رؤية بلاده على أنها الأكثر واقعية لحل الأزمة في لبنان، فمن وجهة نظر باريس، إن أولوية الحل تتمثل في وقف التدخل الايراني في الشأن اللبناني.
وكان ماكرون وجّه انتقاداً لاذعاً الى طهران عندما عبّر عن شعوره بالأسف لأن “إيران زجّت بحزب الله اللبناني في مواجهة مع إسرائيل”، كما اعتبر في حديث سابق أن طهران زجت بلبنان في هذه المواجهة لحماية نفسها. وفي المقابل، وجّه ماكرون أيضاً انتقادات الى حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما رفضت مقترحاً فرنسياً أميركياً لقبول خطة لوقف إطلاق النار لمدة 21 يوماً في لبنان، تجري خلالها مفاوضات مع بيروت وتل أبيب للتوصل إلى حل للأزمة ووقف الحرب.
وأفادت مصادر فرنسية، بأن زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان الأخيرة إلى لبنان، تخللها لقاء مع النائب عن “حزب الله” محمد رعد، قبل يومين من اغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله، وعاد بعدها إلى باريس محملاً بموافقة الحزب على وقف إطلاق النار، وفصل مسار غزة عن لبنان.
ومجدداً تختلف وجهة نظر باريس بالنسبة الى مسار الحرب عن رؤية واشنطن، اذ يعتبر الفرنسيون أن إمكان تدمير قدرات “حزب الله” العسكرية بصورة نهائية (كما تعتقد واشنطن وإسرائيل) هي “مسألة غير واقعية”. وتعتقد باريس أن “حزب الله” قد تعرّض بالفعل لضربات مؤلمة على مستوى اغتيال قادته العسكريين وأمينه العام، ومستوى ترسانة الصواريخ التي يملكها، لكنّه لا يزال حتى الآن قادراً على المواجهة لفترة طويلة، إذ ان باريس، ومن خلال الوقائع الميدانية خلال الأيام الأخيرة، تعتبر أن “حزب الله” تمكّن من إعادة تنظيم صفوفه، ولو بالحد الأدنى.
وتجلّى الاختلاف في موقف الولايات المتحدة التي خفّضت تمثيلها في المؤتمر، مكتفية بإرسال مساعد لوزير الخارجية، ولم تمنح باريس هامشاً أوسع للحديث في مسألة وقف الحرب الاسرائيلية. المتابعون للحركة الديبلوماسية، يعتبرون أن “واشنطن لن تسمح لأي طرف آخر بالدخول على خط المسار المتعلق باستمرارية الحرب أو وقفها”، كما يؤكدون أن “الأمر محصور بالاستراتيجية الأميركية في المنطقة، انطلاقاً من تأمين المصالح الاسرائيلية”. وما يؤكد هذا الموقف الأميركي، الورقة التي حملها هوكشتاين خلال زيارته الأخيرة للبنان، والتي تنص على تعديل نص مقدمة القرار 1701 لجعله قراراً يهدف إلى إحلال السلام على الحدود بين لبنان وإسرائيل ومنع أي وجود مسلح في المناطق اللبنانية القريبة من هذه الحدود، كما طلبت توسيع النطاق الجغرافي لسلطة القرار الدولي، إلى شمال نهر الليطاني بمسافة عدة كيلومترات على أن تزيد عدد القوات الدولية العاملة ضمن قوات حفظ السلام، مع حرية العمل العسكري الاسرائيلي للتأكد من خلو الجنوب من سلاح “حزب الله”، والتدخل الجوي الدائم للمراقبة والإنذار المبكر.
“مؤتمر باريس” وإن تمكن من تحقيق وعود بمساعدات مالية لدعم لبنان، فإنه عجز عن الوصول إلى حلٍ لوقف إطلاق النار على الحدود بين لبنان وإسرائيل، أو تفاهمات بشأن تطبيق القرار 1701، من خلال إقرار المبادرة الفرنسية الأميركية، التي لا تزال تفتقد آليات تنفيذية في ظل الضبابية بشأنها من إسرائيل و”حزب الله”، بحيث أن تل أبيب لم تعلن رفضها من جهة، و”حزب الله” لم يعلن رسمياً الموافقة عليها من جهة أخرى، فالطرفان يراوغان لتحقيق المزيد من المكاسب في المعركة، ما يدفع الى الإعتقاد أن مصيرها كسابقاتها، من دون تنفيذ.


