صور “لؤلؤة الشرق” تحت النيران

نور فياض
قصف على مدينة صور

مع بداية العدوان على لبنان، اتخذ أبناء المدن والقرى الحدودية من صور ملجأ لهم، حضنتهم وأحسنت ضيافتهم ولم تتخلَّ عنهم فكانت لهم بمثابة “الأم”. وعلى الرغم من قصف العدو لبلدات في قضائها، الا أن صور المدينة كانت تعج بالجنوبيين ولم تلغِ برنامجها الصيفي متحدية العدوان آنذاك، ومستقبلة روادها على البحر وفي مطاعمها.

بعد ما يقارب شهر على توسّع الحرب، أنذر المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي سكان صور بإخلاء أربعة شوارع رئيسية ثم شنّ غاراته العنيفة عليها فأوقع عدداً من الضحايا، ودمّر أبنيتها واعتدى على آثارها التاريخية.

صور والتاريخ

تأسست صور حوالي العام 2750 قبل الميلاد، وكانت جزيرة الى أن حاصرها اسكندر المقدوني ثم رُدم البحر فتحولت الى شبه جزيرة تحيطها المياه من الجنوب والغرب والشمال.

خضعت المدينة لحكم الآشوريين والبابليين والفُرس، ثم احتلها الاسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، وحكمتها الدولة الإسلامية في القرن السابع الميلادي، كما حكمها الصليبيون عام 1124 قبل أن تخضع للمماليك في العام 1291 ميلادي.

وفي العام 1516، دخلت صور تحت حكم الدولة العثمانية، وبعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت جزءاً من دولة لبنان عام 1920 عقب دخول المنطقة في حقبة الانتداب الفرنسي، ثم استقلال لبنان عام 1943.

ولصور أهمية كبيرة على المستوى الأثري، السياحي والاقتصادي، اذ مرّت عليها حضارات عدة كالرومانية والفينيقية وسمّيت آنذاك بـ “ملكة البحار”. وفي صور الملعب الروماني والمرفأ المصري الذي نصف أعمدته في الماء والنصف الآخر في اليابسة.

اما على صعيد السياحة والاقتصاد، فكانت تستقبل أكثر من ٦٠٠٠ زائر سنوياً لآثارها، اما بحرها فيتميّز بنظافته ويرتاده يومياً الآلاف، ومطاعمها “مفوّلة” دائماً حتى ابّان القصف على البلدات المجاورة لها.

 صور والحروب

شهدت صور التي تبعد عن الحدود الشمالية لفلسطين ١٥ كيلومتراً عدة حروب، ووفقاً لنائب رئيس بلديتها صلاح صبراوي فان “الاجتياح الاسرائيلي سنة ١٩٨٢ كان الأشد تأثيراً عليها، بحيث دخل العدو بدباباته طالباً من السكان اللجوء الى الشاطئ، وآنذاك صعدت الدبابات على السيارات المركونة في الشوارع ودمّرت الكثير من المنازل.”

وسنة ١٩٧٨ اعتدى العدو أيضاً عليها، ويقول صبراوي: “لجأ الناس حينها الى القرى التي توجد فيها قوات اليونيفيل ليحتموا من العدوان الاسرائيلي، كذلك دمّرت المدينة لكن بنسبة أقل من سنة ١٩٨٢.”

في حرب تموز لجأت أكثر من 1500 عائلة لبنانيّة وسوريّة الى عدد من مراكز الإيواء في المدارس الرسمية والخاصة (وفقاً للتقارير)، وبحسب صبراوي لم تتعرّض صور المدينة الى ضربات كبيرة انما على أطرافها فقط.

ويشير الى أن “الحرب القائمة اليوم تعتبر الأكثر عنفاً على المدينة مقارنة مع حرب تموز، فبعد أن كانت الضربات على بلدات قضاء صور، أنذر العدو سكان صور وشن ثلاث غارات تضررت على اثرها بناية كاملة على الخط الأول وبنايتَيْن على الخط الخلفي، وبعدها، أغار العدو على مبنى ملاصق لآثارات صور مخلّفاً مجزرة فيه اذ قضت عائلة من بيت السمرا. اما الغارة الثانية فراحت ضحيتها عائلة من ٧ أفراد، ثم أعاد العدو شن غاراته مستهدفاً مبنى ملاصقاً لآثارات العين ولم يكتفِ بذلك، اذ أغار على مؤسسات القرض الحسن، ومنذ بضعة أيام شنّ غارة فجراً بالقرب من مطعم الجواد وقضى ٥ أشخاص فيها”.

ويوضح صبراوي أن “الواجهة البحرية لصور تعتبر أجمل مكان فيها، لكن العدو أفرغ حقده بشن الغارات عليها، ففي أول انذار وجهه اليها أغار ٦ مرات عليها مدمراً في كل غارة بناية، اما التهديد الثاني مؤخراً، فدمّر العديد من المباني ومنها مبنى مؤلف من ١١ طبقة ولا احصاء شاملاً حول عدد الوحدات السكنية المدمرة جزئياً أو التي تعرّضت الى خسائر بالزجاج، الألمنيوم… لكن على طول الـ ٥٠٠ متر من كل غارة هناك ضرر في المباني الموجودة، بالاضافة الى إلحاق الضرر بالمقاهي وأكثرها ضرراً مقهى لؤي.”

لا نبالغ عندما نقول ان صور تأسر كل من يزورها، فصحيح أن الحرب بدّلت المشاهد التي اعتدناها اذ أفرغتها من الحياة و”العجقة” موقتاً، لكن صور “لؤلؤة الشرق” لن تنكسر، فبعد الغارات التي طالتها عبّر محبوها عن آلامهم لمصابها بالقول: “عندما نختنق نذهب الى صور لكن اليوم مخنوقين على صور”، ووعدوها بالعودة قريباً. فهل ستطول العودة أم باتت قريبة؟

شارك المقال