عملية “سهام الشمال” (2/1)… الانتقال للمرحلة الأخيرة إقرار بالفشل أو تحقيق للأهداف؟

زياد سامي عيتاني

بعد أن دعم أكثر من 70 في المئة من الاسرائيليين عملية برية على لبنان حتى تحقيق أهدافها بتدمير القدرات العسكرية لـ “حزب الله” وتطهير البلدات اللبنانية على طول الحدود وما بعد الليطاني، كشفت استطلاعات الرأي عن تراجع دعم الاسرائيليين لموقف المستوى السياسي الداعي إلى استمرار العملية البرية، وأظهر استطلاع نشرته صحيفة “معاريف” أن 45 في المئة يدعون إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب في لبنان مقابل 33 في المئة يدعمون استمرار العملية البرية وبقاء الجيش في منطقة عازلة بلبنان، ولم يحسم 22 في المئة موقفهم.

نورد أرقام الاستطلاعات بالتزامن مع اعلان الجيش الاسرائيلي تنفيذ المرحلة الأخيرة من عمليته البرية في لبنان وإعادة انتشار الجنود على طول الحدود، بعد شهر من دخول خمسة ألوية عسكرية في العملية البرية “سهام الشمال”. وبحسب تقرير إسرائيلي، فإن الجيش باشر التخطيط لإعادة نشر القوات على الحدود اللبنانية، ونقل التقرير عن مصادر في الجيش أن العملية البرية التي هي في مراحلها الأخيرة حققت إنجازات كبيرة، بينها الكشف عن كثير من البنى التحتية لـ “حزب الله” وعناصر قوة “الرضوان” في القرى الشيعية القريبة من الحدود، فوق الأرض وتحتها، وتحديد كميات كبيرة من الأسلحة وأسر مقاتلي الحزب الذين يقدمون قدراً كبيراً من المعلومات الاستخباراتية التي ستساعد في المستقبل أيضاً.

وقال مصدر عسكري إن الجيش الاسرائيلي ينتظر إيعازاً من المستوى السياسي بشأن المرحلة المقبلة من الحرب على الجبهة الشمالية مع “حزب الله” في لبنان، مضيفاً: “ان التعليمات التي عملت بموجبها القوات العسكرية قبل بدء الاجتياح البري هي إبعاد التهديد المتمثل في اختراق الحدود واحتلال بلدات واختراق قواعد عسكرية وأنه شارف على إنهائها”. وأوضح المصدر أن “السؤال المطروح حالياً هو إما إعادة تمركز ونشر للقوات بما يتناسب والأهداف التي تم تحقيقها أو تعميق العملية العسكرية في داخل الأراضي اللبنانية في ما يسمى الخط الثاني”، مؤكداً أن الجيش الاسرائيلي يستعد لهذين الخيارين.

اللافت أن قرار الجيش الاسرائيلي بالاعلان عن المرحلة النهائية من العملية البرية وتسريح الجنود جاء بعد أيام من تصريحات بنيامين نتنياهو بأن الظروف غير ناضجة لوقف القتال والتوصل إلى تسوية! وقد أثار القرار احتجاجاً وعمّق الخلافات بين المعسكرين السياسي والعسكري من جهة، ورؤساء مستعمرات الشمال والاسرائيليين النازحين منذ بداية الحرب قبل أكثر من سنة من جهة أخرى (معتبرين أن قرار اقتراب انتهاء العملية البرية يُعدّ إخفاقاً كبيراً لن يضمن أمنهم وسيمنعهم من العودة إلى بيوتهم)، وهو ما يزال موضع نقاشات خلافية. فهل فعلاً تمكن الجيش الاسرائيلي من تحقيق أهداف العملية البرية؟

يجيب عن هذا السؤال العقيد احتياط حنان شاي (وهو خبير في التخطيط الاستراتيجي العسكري والسياسي) بالقول: “إن الجيش الإسرائيلي غير قادر على حسم المعركة، ومن دون حسمها لا يمكن التوصل الى تسوية، فالتسوية في نهاية الحرب هي تحويل الإنجازات العسكرية إلى إنجاز سياسي من شأنه أن يعزز تحقيق الهدف السياسي للحرب، وحتى اليوم لا يمكن تحقيق ذلك تجاه لبنان، حيث الجيش الاسرائيلي المرهق لا يزال غير قادر على الحسم، هذا الجيش الذي فرض على إسرائيل حروب استنزاف طويلة في هذا القرن جعلها غير قادرة على ضبط نطاقها أو شدتها، والأهم عدم القدرة على التوصل إلى تسويات سياسية قوية تمنع تقوية العدو وتجعله غير قادر على التفوق العملياتي في القتال”.

ويرى شاي أن أمام الجيش اليوم ثلاثة خيارات عملية ممكنة:

-الأول: توحيد جميع الضربات التي يضعها داخل بنك أهدافه لردع “حزب الله” وتوجيهها بضربة واحدة كبيرة من شأنها أن تؤدي إلى هزيمته، بالتالي موافقته على وقف القتال بشروط إسرائيل.

-الثاني: هو الافادة من تشكيل قوات المناورة الكبيرة الذي تم تركيزه في القيادة الشمالية وقدرات سلاح الجو من أجل السيطرة على منطقة الليطاني بأكملها في أسرع وقت ممكن.

-الثالث: هو استغلال الإنجاز الاستراتيجي وحتى الجيواستراتيجي المتمثل في تجريد إيران من قدراتها الدفاعية الجوية من أجل إقناعها بالعمل على تحقيق تسوية سريعة في لبنان.

هذه المقاربة تؤكد أن العملية البرية (البالغة الحذر) التي بدأ جيش العدو الاسرائيلي بتنفيذها على الحدود اللبنانية، والتي لم يحدد أهدافاً عسكرية واضحة لها، بحيث أن رئيس حكومة الكيان ربطها بالعودة الآمنة لسكان المستعمرات الشمالية، وهو هدف لم يتحقق، بل إن “حزب الله” قصف تلك المستوطنات وما هو أبعد مدى جغرافي منها، حيث وصلت الى حيفا وزخرون يعقوب وبنيامينا، جنوب حيفا، ونهاريا وعكا وطبريا، بالصواريخ والمسيرات بصورة متصاعدة ومكثفى نوعاً وكماً، (من دون القدرة على إسقاطها)، وسقطت مسيّرات على أهداف مباشرة، بينها مصنع “أخزيف” في نهاريا ويحوي مادة “الأمونيا”، إلى جانب قواعد عسكرية بينها قواعد تابعة لسلاح الجو ومنشآت استراتيجية وتدمير بنى تحتية، ما أرغم عشرات الآلاف من الاسرائيليين على البقاء في الملاجئ.

قد تكون الوقائع الميدانية هي التي ألقت بظلالها على الخطاب العسكري الاسرائيلي، بحيث بدأت قيادة جيش الاحتلال تتحدث عن إنجاز أعمال “غير محققة” تمهد للمفاوضات. وهذا الواقع، إذا ما قورن بلجوء الجيش الاسرائيلي الى اعتماد “إستراتيجية غزة” التدميرية، التي قضت على حوالي 11 قرية متاخمة للحدود، فإنه قد غيّر من خططه العسكرية، بإستبدال العمليات البرية بفرض منطقة عازلة، بعد تدمير القرى والبلدات الواقعة ضمن نطاقها بصورة كاملة، منعاً لعودة سكانها، لتكون مهيأة لذلك.

شارك المقال