تصاعدت حدة الخطاب الانفصالي في الولايات المتحدة الأميركية عندما أصبح دونالد ترامب رئيساً عام 2016، بحيث تعاني البلاد من انقسام حاد في الرأي بشأن سياسات داخلية مثل الضرائب، الاجهاض، الحقوق الجندرية والهجرة، وكون ترامب لديه آراء متطرفة في هذه السياسات، بدأت الأصوات تصدح في بعض الولايات متحدثة عن الانفصال عن الدولة الفيدرالية، وهو ليس أمراً استجد في عهد ترامب فقط، فهناك حركات انفصالية واستقلالية متعددة في الولايات المتحدة تبرز أحياناً ويأفل نجمها أحياناً أخرى، وذلك وفق السياسات العامة للدولة الفيدرالية.
بعد فوز ترامب بالولاية الأولى عام 2016، بدأت الأصوات الداعية الى الاستقلال تتصاعد في كاليفورنيا، وهي تعتبر أكبر الولايات من حيث عدد السكان، وكانت ستعتبر خامس أقوى اقتصاد في العالم لو انفصلت عن الدولة الفيدرالية، وقد أجازت سلطات الولاية عام 2017، لحملة تطالب بانفصال الولاية البدء بجمع تواقيع لازمة لإجراء استفتاء، يقرر فيه السكان البقاء في الولايات المتحدة أو الانفصال عنها.
وقال سكرتير الولاية أليكس باديلا في حينه، إنه أعطى الضوء الأخضر لحملة “كاليفورنيا وطناً”، الشهيرة كذلك باسم “كاليكست”، نسبة الى الاسم الذي أعطي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست”.
وعلى الرغم من أن المطالبة تعتبر أقل بكثير نسبياً، إلا أن النزعة الانفصالية في ثاني أكبر الولايات الأميركية، تكساس، أخذت زخماً أيضاً، وقد برز الكلام عن “تكست” في بداية العام الحالي عند نشوب أزمة بين حاكم الولاية غريغ آبوت والرئيس جو بايدن على خلفية أزمة الحدود واللاجئين مع المكسيك على حدود الولاية، وقال رئيس “حركة تكساس القومية” دانيال ميلر في حينه: “نعرف هنا في تكساس أن الطريقة الوحيدة التي سيكون بإمكان تكساس من خلالها تأمين الحدود، ووضع نظام منطقي للهجرة ستكون من خلال القيام بما تفعله 200 دولة أخرى حول العالم والقيام بذلك بوصفها دولة مستقلة تحكم نفسها بنفسها”.
وكان عمدة تكساس السابق ريك بري طرح قضية الانفصال عن الولايات المتحدة عام 2009 في إحدى اجتماعات الحزب الجمهوري، وقال إن “تكساس مكان لا مثيل له، عندما انضمت إلى الولايات المتحدة في عام 1845 كانت إحدى القضايا التي تم الاتفاق عليها أنه في أي وقت رغبنا نستطيع أن نخرج من هذا الاتحاد… أتمنى أن تنتبه أميركا وبالأخص واشنطن إلى هذا الأمر.. إذا استمرت واشنطن في إهانة الشعب الأميركي فلا يمكن لأحد أن يتوقع ماذا سيحدث في المستقبل”.
وكذلك هناك ولايات أخرى فيها حركات تدعو الى الاستقلال أو الانفصال عن الدولة الفيدرالية، بحيث ينشط في ولاية ألاسكا “حزب استقلال ألاسكا”، الذي تأسس عام 1984، وكاد عام 2006 أن يشرع في عملية استفتاء شعبي رسمي لسكان الولاية، حول قضية الانفصال عن الولايات المتحدة، لولا تدخل المحكمة العليا التي أعلنت حينها أن الانفصال غير قانوني ولم تسمح بإجرائه. ولكن عام 2009 جمعت الحركات الانفصالية في الولاية ما يقرب من 200 ألف توقيع تطالب بالانفصال، كان معظمهم من الجمهوريين، كما أصدر ناشطو الولاية عام 2015، بياناً توجهوا فيه إلى جنيف، وطالبوا بمساعدة المجتمع الدولي في إجراء استفتاء لتقرير المصير، مشيرين إلى أن أميركا انتهكت مبادئ الأمم المتحدة واستولت على ألاسكا وجزر هاواي عن طريق “الخداع”. وتجدر الاشارة الى أن الولايات المتحدة اشترت ألاسكا من روسيا القيصرية عام 1867، وتم اعتمادها رسمياً كولاية عام 1959.
وفي ولاية فيرمونت تأسست “جمهورية فيرمونت الثانية” عام 2003 وهي شبكة مؤلفة من عدة مجموعات تقدم نفسها تحت عنوان “المواطنين السلميين” وقامت على أفكار تعارض استبداد الشركات الأميركية والحكومة. وتسعى هذه الشبكة عبر الطرق السلمية الى الحصول على استقلال فيرمونت مرة أخرى. وعقد نشطاء هذه الحركة سنة 2005 “مؤتمر استقلال فيرمونت”، وهو أول تجمع موسع یبحث قضية الانفصال عن الولايات المتحدة.
وفي العام 2009 أقر مجلس الشيوخ في جورجيا وثيقة رقم 43-1 تمكّن الولايات من رفض تنفيذ القوانين الفيدرالية. وجاء في الوثيقة أنه في حال اتخذ الكونغرس إجراءات تحد من التسلح أو التزود بالمعدات عندها لن يكون لحكومة الولايات المتحدة الأميركية أي وجود بعد هذا.
أما “حركة الحكم الذاتي في هاواي” فلديها مجموعات فاعلة تمكنت من كسب عدة امتيازات من حكومة هاواي. على سبيل المثال في عام 2011 استطاعت حذف عبارة “معاهدة الانضمام” من أحد التماثيل.
وعام 2010 أعلنت مجموعة تدعى “جمهورية بالمتو الثالثة” في كارولينا الجنوبية عن وجودها، وهذه الولاية استقلت مرتين حتى الآن مرة في عام 1776 والأخری في عام 1860، وتشبه هذه المجموعة إلى حد كبير حركة “جمهورية فيرمونت الثانية” التي تسعى الى نيل استقلال كارولينا الجنوبية وحريتها وعدم الانضمام إلى أي نظام فيدرالي أخر.
وهنالك حركات تطالب بتشكيل جمهوريات حكم ذاتي وتضم سكان أكثر من ولاية، أبرزها:
جمهورية كاسكاديا: نواتها الرئيسية تتألف من انفصال ولايات واشنطن وأوريغون ومحافظة بريتيش كولومبيا، ويؤيد بعض داعمي هذه الحركة انضمام أجزاء من شمال كاليفورنيا وجنوب ألاسكا وايداهو ومونتانا الى إعلان كاسكاديا مستقلة بصورة كاملة بحسب الحدود الطبيعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
الجبهة الشمالية الغربية: هذه الجبهة هي حركة انفصالية تطالب بتشكيل جمهورية وطنية مستقلة في الولايات الشمالية الغربية أي واشنطن وأوريغون وايداهو ومونتانا الغربية.
اتحاد الجنوب: تسعى هذه المجموعة الى تشكيل جمهورية حرة مستقلة في جنوب أميركا وتتألف من الولايات التي شكلت ما يعرف بالولايات الكونفيدرالية أيام الحرب الداخلية الأميركية، ويشار إلى بعض هذه الحركات بالكونفيدرالية الجديدة.
ولم يكتسح ترامب وحده في الانتخابات الرئاسية، بل يبدو أن الحزب الجمهوري سيأخذ الكونغرس أيضاً، وسط توقعات باحتفاظه بمجلس النواب، وهو أمر قد يعيد الحديث في ولايات ديموقراطية عن الانفصال، مع الاختلاف الحاد بشأن السياسات الداخلية الأميركية، تحديداً بشأن الاجهاض والجندرية، بحيث أعلن ترامب مواقفه منها في السابق، منتقداً فكرة الإجهاض، ومتوعداً بقوانين تعترف فقط بالجنسين ذكر وأنثى، ما سيشكل تحدياً كبيراً أمام ولايات مثل كاليفورنيا، ويبقى السؤال إن كانت ستمرر 4 سنوات من حكم ترامب كما حصل في السابق أم ستعود إلى التفكير بالإنفصال مجدداً؟


