حين امتدت نيران الحرب عقب عملية “طوفان الأقصى” إلى أبعد من غزة وطالت لبنان، باتت سوريا فجأةً على مقربة خطيرة من المسرح الأساسي للصراع، إلا أنها أحجمت عن فتح جبهة فاعلة ضدّ إسرائيل عقب هجمات “حماس” في 7 تشرين الأول 2023، لا بل أبقت على موقفها هذا حتى بعد أن وجّهت إسرائيل ترسانتها الحربية ضدّ “حزب الله” من خلال تصعيد هجماتها في سوريا لتشمل أصولاً تابعة لإيران والحزب، ومستودعاً للأسلحة قرب قاعدة حميميم الجوية التي تسيطر عليها روسيا (باعثةً بذلك أيضاً رسالةً إلى روسيا)، وفيلّا تابعة لماهر الأسد، شقيق الرئيس، الذي يقود الفرقة الرابعة المدرّعة النخبوية ويعد حليف إيران الأساسي في دمشق، خصوصاً وأن تل أبيب تعهّدت بقطع ما أسمتها “شرايين الحياة” في سوريا، التي تمر عبرها الأسلحة المهربة إلى “حزب الله” في لبنان.
صحيح أن توسّع البنية التحتية العسكرية لـ “حزب الله” في سوريا في العام 2013 ساعد نظام الأسد على الصمود في وجه الانتفاضة ضدّه في الداخل، إلّا أن الحزب أصبح الآن عبئاً قد يستدعي تدخّلاً إسرائيلياً في سوريا، التي لم تقتصر الضربات عليها من إسرائيل، بل أعلنت القيادة الأميركية الوسطى ضرب تسعة أهداف موالية لايران في سوريا، مشيرة في بيان، إلى أن الضربات التي تُنفذها واشنطن في سوريا تهدف الى الحد من قدرة الجماعات المدعومة من إيران على التخطيط لهجمات جديدة وشنّها ضد القوات الأميركية في المنطقة.
وعلى الرغم من كل ما تتعرض له سوريا من ضربات عسكرية، فقد أبدى الرئيس بشار الأسد رغبته في تجنّب المواجهة مع إسرائيل في خضمّ التحدّيات المتزايدة، بحيث أن النظام السوري وجد نفسه، عقب هجمات 7 تشرين الأول في وضعٍ أفضل إلى حدٍّ ما، إذ استعادت سوريا بعضاً من أهميتها المفقودة بعد أن أصبح الشرق الأوسط مجدّداً محور اهتمام عالمي، وعاد اهتمامُ روسيا والدول العربية بها، إذ رأت دمشق في حرب غزة فرصة أخرى لتعزيز مصالحها الخاصة، من خلال استغلال الظروف لتوطيد علاقاتها مع الدول العربية. لكن الطريق يبدو محفوفاً بالمخاطر نظراً إلى روابط الأسد الوثيقة بإيران، ووجود “حزب الله” على الجانب الآخر من الحدود في لبنان، ودور سوريا بوصفها مركز عبور للأسلحة من إيران إلى الحزب، لا سيما وأن التقارير تشير إلى أن إسرائيل تُعزّز قواتها في مرتفعات الجولان، وتزيل الألغام من بعض المناطق، ما قد يكون تمهيداً لفتح جبهة جديدة.
وكانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، قد حذّرت يوم الثلاثاء الماضي، من أن الجيش الاسرائيلي يرتكب انتهاكات خطيرة لاتفاق وقف إطلاق النار مع سوريا، حيث تواصل القوات الاسرائيلية بناء ما يسمى بخط “ألفا” الذي يفصل مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل عن سوريا.
التهديدات التي تطرحها إسرائيل في جنوب غرب البلاد يبدو أنها تسبّب قلقاً كبيراً في دمشق، إذ أصدر الأسد، في 5 تشرين الأول أمراً إدارياً باستدعاء الضباط الاحتياطيين، وأرسل قوات النخبة إلى إدلب في الشمال بدلاً من الجولان. ويُقال إن الفرقة الرابعة تنأى بنفسها عن “حزب الله”، فيما سحَبَ النظام بعض الميليشيات الموالية له من جبهة الجولان. كذلك عَمَد النظام في الآونة الأخيرة إلى تقييد حركة “حزب الله” ومصادرة ذخيرته. وفيما يصعب التحقّق من صحة هذه التقارير كلّها، تبدو الرسالة شديدة الوضوح.
وكانت وكالة “رويترز”، نقلت الثلاثاء عن مصادر أمنية ومحللين أن قوات إسرائيلية أزالت ألغاماً أرضية وأقامت حواجز جديدة على الحدود بين هضبة الجولان وشريط منزوع السلاح على الحدود مع سوريا. وذكرت المصادر أن هذه الخطوة تشير إلى أن إسرائيل ربما تسعى للمرة الأولى إلى إصابة أهداف لـ “حزب الله” من مسافة أبعد نحو الشرق على الحدود اللبنانية. وفي حين أفادت تقارير بأن إسرائيل تزيل الألغام، كشفت مصادر عن تفاصيل إضافية غير منشورة أظهرت أن إسرائيل تحرك السياج الفاصل بين المنطقة المنزوعة السلاح نحو الجانب السوري وتنفذ أعمال حفر لإقامة المزيد من التحصينات في المنطقة. ومن خلال توسيع جبهتها في الشرق، تستطيع إسرائيل أن تشدد قبضتها على طرق إمداد “حزب الله” بالأسلحة، التي يمر بعضها عبر سوريا وإيران التي تدعمه. وتفيد المصادر بأن أعمال إزالة الألغام زادت مع بدء إسرائيل توغلها البري في أول تشرين الأول لمحاربة “حزب الله” على امتداد المنطقة الجبلية التي تفصل شمال إسرائيل عن جنوب لبنان على بعد نحو 20 كيلومتراً إلى الغرب.
في موازاة ذلك، حذّر ممثل الرئيس الروسي في سوريا ألكسندر لافرينتيف، من تبعات استمرار الهجمات الاسرائيلية على دمشق، مشيراً إلى أن موسكو لن تسمح بجر سوريا نحو الحرب. كما لوح لافرينتيف بوجود قوات روسية في منطقة الجولان مقابل الخط الفاصل، مشدداً على أن قيام إسرائيل باجتياح بري داخل سوريا سيفقدها الشرعية أمام المجتمع الدولي. فقبل أن يصبح جدعون ساعر وزير الخارجية الجديد في حكومة بنيامين نتنياهو وجّه تحذيراً إلى الأسد مفاده أن استمرار سوريا في توفير طريقٍ لإمداد “حزب الله” بالأسلحة والسماح له بتنفيذ هجمات ضدّ إسرائيل من أراضيها، سيعرّض نظامه للخطر. وقال ساعر إن الروس موجودون في سوريا ويمكنهم أن يساهموا في منع “حزب الله” من إعادة التسلح، في رد على الدعوات إلى مشاركة روسيا في المفاوضات الجارية حالياً لوقف الحرب في لبنان.
وترى أوساط سياسية لبنانية أن حديث ساعر هو رسالة إلى روسيا، ومن ورائها السوريون والايرانيون، مفادها أن من يرِدْ وقف الحرب في لبنان عليه أولاً أن يوقف تهريب السلاح إلى “حزب الله” قبل مناقشة أي تفاصيل أخرى. لكن اللافت إنسحاب وحدات عسكرية روسية متمركزة في جنوب سوريا لدعم القوات السورية هناك من موقع مراقبة واحد على الأقل يطل على المنطقة المنزوعة السلاح، كما أن القوات الروسية غادرت موقع تل الحارة، وهو أعلى نقطة في محافظة درعا جنوب سوريا ونقطة مراقبة استراتيجية، وأثار قرار روسيا إنشاء نقطة مراقبة قبالة منطقة فض الاشتباك بين الجيشين السوري والاسرائيلي في الجولان جنوبي سوريا تساؤلات حول توقيته والرسائل المبتغاة من ورائه، وهل أنه منسق مع الاسرائيليين في ضوء الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الشؤون الاستراتيجية الاسرائيلي رون ديرمر الى موسكو، لمنع الصدامات في حال أقدمت إسرائيل على فتح جبهة الجولان؟


