طقوس خاصة جداً، يشهدها بيتنا، في الخميس الأول من كل شهر، ترقباً لحفل أم كلثوم الشهري، كنا أطفالاً، ننصت الى حواديت بابا شارو في الصباح، ونستمع الى صورة غنائية قرب العصر، تحكي لنا حكاية توفيق صانع الدندورمة (الآيس كريم) أو قصة عوف الأصيل، أو عذراء الربيع، أو مرزوق وحكاية السلطانية التي تحولت الى تاج الجزيرة في قصة (قسم) بكسر القاف وفتح السين وتسكين الميم، ثم تحتال علينا الأسرة بشتى الحيل، حتى نقيل مثلما يقيلون، استعداداً للسهرة مع الست.
تختلف الاستعدادات عادة بحسب طبيعة الضيوف وعددهم الذين سيتوافدون الى بيتنا للاستماع الى حفل أم كلثوم، لكن ثمة قواسم مشتركة، تضع بين تلك الاستعدادات تحضير المشروبات وقد يكون بينها بحسب الضيوف “قوارير بيرة ستلا مثلجة” فضلاً عن الشاي والقهوة والعصائر بحسب الموسم، بالاضافة الى الشيشة ومستلزماتها التي كان بعض الضيوف يحضرها معه، الى جانب أكياس بعضها عملاق محشوة باللب والحمص والفول السوداني وبعض الحلوى التي كنا نسميها “ملبس نادلر” أو “أرواح” أي بروح الفراولة أو بروح البرتقال وهكذا…
أول مرة أستمع فيها الى أغنية كاملة لأم كلثوم، كانت في مطلع العام ١٩٥٧، وكان ضيوف السهرة عندنا هم أصدقاء أبي، حافظ ندا، وحسين عطا الله، ورياض الصيرفي وألفي، وفوزي، بالاضافة الى عمي الأصغر ابراهيم عبد العزيز وكان فناناً مبدعاً وعازف عود لا يبارى.
لا مكان لطفل في السادسة من عمره وسط كل هؤلاء الكبار، حاولوا في البيت إقناعي بالنوم من دون جدوى، كنت أريد الجلوس مع أبي، التصقت بباب غرفة الضيوف، وجلست على البلاط، أسمع كركرة الشيشة وسمر الرجال، وآهات المستمعين الى الست، وهي تقول “وكل شيء في الدنيااااا وافق هواااك أنا حبيته”.. فتح أبي باب الغرفة ليطلب إعداد بعض القهوة للضيوف، فوجدني جالساً القرفصاء على البلاط ملتصقاً بالباب، فانحنى ليحملني، ثم عاد بي الى ضيوفه، وأفسح لي مكاناً بجواره وقد ضمني اليه بحميمية أبوية محببة، كانت أول تجربة لي على الإطلاق في معايشة سهرة كلثومية جرى اعداد مفرداتها قبل الحفل بيومين على الأقل.
استمعت لأول مرة الى حفل أم كلثوم، وانتزعت لنفسي حقاً بات مكتسباً، بأن يعملوا حساباً لمشاركتي لهم في كل مرة، وكانت أغنية “عودت عيني”، من كلمات العبقري أحمد رامي ومن ألحان العبقري رياض السنباطي ومن غناء تلك الموهوبة بغير سقف للموهبة أم كلثوم، هي بداية عهدي بمتابعة حفلاتها الشهرية.
مع الوقت اكتشف عمي ابراهيم عبد العزيز، قدرتي على حفظ الأغنية أو أغلبها بعد الاستماع اليها في الحفل، وقتها لم تكن أجهزة التسجيل متاحة، أو حتى معروفة، وكان عمي يستعين بذاكرتي بديلاً لجهاز التسجيل الغائب، اذ يستدعيني الى غرفة الصالون بشقته، المجاورة لشقتنا، وأجلس عند قدميه كما فعلت فاتن حمامة مع فريد الأطرش في فيلم “لحن الخلود”، وهو يعزف لها أغنية “جميل جمال”. كان عمي يبدأ العزف بدندنة تستدرجني الى تذكر لحن أغنية الأمس، فما إن تنطلق ذاكرتي من عقالها حتى تنطلق أنامله تداعب أوتار عوده، بأداء رائع.
تكرر ذلك كثيراً، في حفلات لاحقة، غنت فيها أم كلثوم “الحب كده”، و”هو صحيح الهوى غلاب”، و”لسه فاكر”، و”حيرت قلبي معاك”، و”شمس الأصيل”. عشت مع عمي كل هذه الأغنيات التي لم أكن أفهم بعض معانيها، وأحببتها جميعاً، لكنني لم أحب أغنية “حب ايه”، كان الصوت والأداء واللحن بالنسبة لي لا يعبر عن حالة عتاب رقيق مثل تلك في أغنية “يا ظالمني”، وانما عن خناقة لا تليق بلغة أنثى رقيقة. لكنني عدت لاحقاً لأكتشف مواطن العظمة وأسرار الجمال في الاغنية نفسها، بعدما أتيح لي الحصول على تسجيل نادر للأغنية في قصر الأمير عبد الله الفيصل بجدة، كانت أم كلثوم تغني فيه أغنية “حب إيه” بصحبة الايقاع وعازف الكمان أحمد الحفناوي، وكان الأمير عبد الله الفيصل، يردد وراء أم كلثوم عبارة “ده انت ما بينك وبين الحب دنيا.. دنيا ما تطولها ولا حتى في خيالك” وكان الفيصل يردد مؤمناً على قولها (آه والله دنيا يا ثومة دنيا)!
تطور اهتمامنا بحفلات أم كلثوم، بعدما عرفنا جهاز التسجيل العبقري (الريكوردر ذي البكرات الكبيرة) وكان لقاء السحاب الأول بين أم كلثوم وعبد الوهاب قد جرى بالفعل مطلع عام ١٩٦٤، في الشهر التالي مباشرة (فبراير/شباط ١٩٦٤)، أقيم حفل خطوبة شقيقتي الكبرى زينب، وكأسرة كلثومية الهوى، تحولت أغنية “انت عمري” الى النشيد الوطني للحفل، بعدما تمكن أبي من استعارة ريكوردر عملاق من أحد أصدقائه، ظل يعمل طوال شهر تقريباً لنستمع الى “انت عمري” كل يوم وفي الوقت الذي نختاره.
في تلك الفترة بلغ هوس المصريين بالأغنية، أن بعض المحال التجارية الكبرى وبينها متجر للساعات بشارع شبرا كان اسمه “ساعاتي القومية العربية” قام ببث الأغنية عبر مكبرات الصوت، ونزل المصريون الى الشوارع للاستماع اليها.
تسلل الكاسيت الى حياتنا على استحياء، فظهر قبله جهاز ريكوردر صغير ببكرات صغيرة نسبياً، حصل زوج أختي الكبرى شكري عبد الهادي على نسخة متطورة منه، وكان مولعاً بأم كلثوم وعبد الوهاب وسيد درويش، وقد ساهم بذوقه الرفيع في ترقية وجداني الفني، ولا زلت أذكر، كم أمضينا من الليالي معاً نستمع الى “الآهات”، و”هلت ليالي القمر”، و”الأوله في الغرام”. وحين تزوجت أختى الصغرى، كان حريصاً على أن تكون الزفة بصحبة أغنية سيد دوريش “يا عشاق النبي صلوا على جماله.. دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندهالوا.. أدي نور جمالها.. هل هلاله”.
كانت أم كلثوم هي ماكينة البهجة في حياتنا، وكان الحكم محظوظاً في مصر بأن لديه أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، كان الفن بالسينما أو بالمسرح أو بالغناء والطرب والموسيقى، عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الدولة على التأثير والتغيير.
لكن هذه النخبة الفريدة، كانت نتاج الحقبة الليبرالية التي سبقت ثورة يوليو (تموز)، غير أن الثورة وقادتها استفادوا منها وجنوا ثمار قدرتها على التأثير والتغيير.
بالنسبة لي فإن الصباح لا ينال صك اعتراف بوصوله، الا اذا غنت الست “يا صباح الخير يللي معانا” فهذا هو النشيد الوطني للصباح عندي، والعيد لا يأتي الا اذا غنت الست “يا ليلة العيد آنستينا”، فهذا هو النشيد الوطني للعيد عندي، فلا أتلقى قبله التهاني بالعيد.
هذا الصوت العبقري، كان يسبغ عبقريته على نصوص بسيطة يغنيها فينفخ فيها من روح أم كلثوم فإذا هي نصوص خالدة. تأمل معي كلمات نشيد الصباح “يا صباح الخير يللي معانا.. الكروان غنى وصحانا.. والشمس أهي طالعة وضحاها… والطير أهي سارحة في سماها… يللا معاها.. يللا معاها”… نص مفرط في البساطة حتى تخاله خال من الجمال، لكن حنجرة أم كلثوم وإحساسها ومصريتها، وثقافة شعورها، كل ذلك نفخ في هذا النص روح الخلود.
لم تحتكر أم كلثوم والسنباطي ورامي الخلود وحدهم، فثمة آذان تحسن الاصغاء تستحق هي أيضاً الخلود.


