يكاد لا يخفى على أحد أن موظفي القطاع العام هم الأكثر تضرراً من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ العام 2019، لا سيما العاملون في السلك العسكري، والمتقاعدون منهم على وجه الخصوص. تبدلت معاشاتهم مع تلاعب سعر الصرف، وأثّر ذلك بصورة مباشرة على قيمة رواتبهم وعلى تعويضاتهم التقاعدية، فضلاً عن مخصصاتهم من صفائح البنزين وغيرها.
ويجب أن نأخذ في الاعتبار أمراً مهماً جداً، هو أن تعديل الرواتب والأجور ليس بالضرورة تحسيناً فيها، لأن التعديل هو تعديل الرقم والتحسين يكون بتعديل كلفة العيش وقدرة صاحب الأجر على تمويل الأساسيات، وهي فاتورة الاستهلاك، فاتورة الطبابة وفاتورة التعليم، ولم نتكلم عن فاتورة الاستثمار كشراء أراضٍ أو منازل، أو فاتورة الادخار لنهاية الخدمة أو التقاعد، لأن الأساسيات تتشكل من الاستهلاك والطبابة والتعليم، ولهذا السبب لاحظنا أن الوضع الاقتصادي سيضرب المقومات على الساحة الاقتصادية، أي سيضرب مقومات الساحة النقدية، والقطاعات الانتاجية في القطاع الخاص، كذلك مقومات الدولة وقدرتها على تحسين إيراداتها، فحين ينكمش الاقتصاد من 55 مليار دولار سنوياً عام 2018 الى 20 ملياراً واليوم دون الـ 18 ملياراً، هذا هو حجم الدولة، لأنها تأخذ إيراداتها من ضرائب ورسوم على النشاطات الاقتصادية، وبما أن قيمة النشاطات الاقتصادية 18 الى 20 ملياراً، بالتأكيد ستكون إيرادات الدولة دون هذا المبلغ، وفق ما شرح خبير المخاطر المصرفية والباحث الاقتصادي محمد فحيلي لموقع “لبنان الكبير”.
رواتب العسكريين المتقاعدين قبل الأزمة وبعدها
تغيرت قيمة رواتب العسكريين المتقاعدين بين العام 2019 واليوم، فقبل الأزمة، كان العميد المتقاعد يتقاضى 4000 دولار و20 صفيحة بنزين، والمؤهل المتقاعد يتقاضى 1600 دولار و9 صفائح بنزين، والجندي المتقاعد يتقاضى ما بين 800 و1200 دولار، وتراوح راتب المعاون المتقاعد ما بين 1200 و1700 دولار. أما اليوم فأصبح راتب العميد المتقاعد 600 دولار و20 صفيحة بنزين، وراتب المؤهل المتقاعد 240 دولاراً، والجندي المتقاعد يتقاضى نحو 20 مليون ليرة، أي 225 دولاراً، والمعاون المتقاعد يتقاضى 350 دولاراً. مع العلم أن صفائح البنزين يتقاضاها العمداء والضباط فقط، فيما يحرم المؤهلون منها، على الرغم من احتجاجاتهم ومطالباتهم المستمرة، فصرخة المؤهلين لاقت صداها في الأسلاك العسكرية كافة، ما عدا مؤهلي الجيش المتقاعدين.
النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز، أشار في حديث لموقع “لبنان الكبير” الى أن “معاشات العسكريين تدهورت بصورة دراماتيكية منذ العام 2019، كان العسكري يتقاضى راتبه على سعر صرف 1500 ليرة، العسكريون المتقاعدون عموماً، والقطاع العام بشكل أوسع، الدولار اليوم 89 ألف ليرة، الفرق كبير جداً، وفي الوقت نفسه، الزيادات التي أعطيت لتعويض الفرق كانت بسيطة جداً، بشكل أن المتقاعد اليوم يتقاضى بين 15 و18 بالمئة من راتبه الذي كان يتقاضاه عام 2019. والمعاشات كارثة، وليس لدى المتقاعدين القدرة على العمل لأنهم باتوا في عمر لا يسمح لهم بذلك، بالاضافة الى المعوقين منهم ومصابي الحرب وعائلات الشهداء، جميعهم يتقاضون الرواتب نفسها في ظل الوضع المأساوي الراهن”.
وفي ما يتعلق بوضع الدولة الاقتصادي، قال فحيلي: “إذا واكبنا تطور الأمور، من 2019 الى 2024، نلاحظ أن السنوات من 2019 الى 2022، كانت خلالها إيرادات الدولة تحتسب بالليرة اللبنانية على سعر صرف 1500 أو 15 ألفاً، وكان الفرق كبيراً وهناك فجوة بين نفقات الدولة وايراداتها، أي نفقات الدولة خصوصاً بالعملة الأجنبية كاستيراد النفط والمحروقات والمعدات الصحية ونفقات الوزارات من صحة وطاقة وخارجية، كانت بالدولار الحي، لكن إيراداتها كانت إما 1500 أو 15 ألفاً، وبالتالي دون سعر صرف الدولار الحي. وفي هذه الحالة، كل الأموال وأرصدة الحسابات الموجودة بالليرة اللبنانية، سواء أرصدة الحسابات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في صندوق نهاية الخدمة، أو في تعاونية موظفي الدولة، أو صناديق نهاية الخدمة في النقابات كالمهندسين ونقابة المحاماة وأساتذة المدارس الخاصة وغيرها، كونها كانت بالليرة اللبنانية، ستتأثر مع تأثير الوضع الاقتصادي على سعر الصرف، وإمكان التعويض لتآكل القيمة الشرائية لتعويضات نهاية الخدمة من الصعب جداً حصوله خلال سنة أو سنتين. والطريقة الوحيدة اليوم لتعويض هذا التآكل الذي أصاب تعويضات نهاية الخدمة، سيستغرق ما لا يقل عن عشر سنوات”.
وعن الاجراءات المتخذة لمعالجة التدهور الحاصل في رواتب العسكريين المتقاعدين، أوضح روكز أن “ما نطلبه هو بدء تعويض المعاشات، بشكل أن تعادل 40 أو 50 بالمئة وما فوق مما كانت عليه سابقاً، على أن تصبح عام 2027 موازية لقيمتها الشرائية السابقة، وبالدولار، كما كانت في العام 2019. بالطبع هنالك صعوبة في تحقيق الأمر، ونقدّر وضع الخزينة والحفاظ على سعر صرف الليرة وغيرها من الأمور التي تؤخذ في الاعتبار من خلال مصرف لبنان، لكن في الوقت نفسه، الناس تريد أن تعيش ولا يمكنها الاستمرار على هذا المنوال”.
وأسف روكز لأن “الحكومة تتابع هذا الموضوع من دون دراسة، وتحت ضغط المظاهرات تعطي الزيادات: راتبان أو ثلاثة رواتب، أو أربعة، بشكل تعدل نسبة معينة، حوالي 3 الى 4 بالمئة من القيمة المطالب بها، على أن تبدأ بحوالي 40 بالمئة وتتصاعد تدريجياً الى العام 2027، هذه الطريقة المعتمدة”، آملاً “أن نشهد دراسة لهذا الموضوع، خصوصاً من خلال الموازنة، ففي العام 2024 وضعت عطاءات حوالي 4 معاشات، ترتفع معها النسبة الى 20 أو 22 بالمئة، موازنة 2025 بصياغتها لم يلحظ فيها شيء، وفي كل الأحوال هذه الموازنة مرفوضة لأنها لم تعد واقعية بالنسبة الى الأحداث التي حصلت والظروف الموجودة حالياً. على أن نبحث في ما يمكن فعله بالنسبة الى موازنة 2025، لجهة تحسين وضع المتقاعدين والعسكريين والقطاع العام الذي يعاني من وضع صعب، عكس القطاع الخاص الذي حسن رواتبه وتدارك أوضاعه ويعتبر وضعه أفضل بكثير من القطاع العام”.
والممر الالزامي لتحسين القيمة الشرائية للرواتب والأجور، بحسب فحيلي، هو بالاصلاحات. وقال: “علينا أن نعود الى اعتماد خريطة طريق واضحة تعتمدها السلطة صاحبة الاختصاص، أي تعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في لبنان، لإقرار القوانين الضرورية وتنفيذها، ويمشي لبنان في مرحلة الإنقاذ الى الإنعاش، الى التعافي الاقتصادي، من ثمّ النمو الاقتصادي. ولا يمكن القفز على أي مرحلة منها، واليوم بعد الحرب التي تفاقمت في أيلول وتشرين في الأسابيع الماضية، إذا كنا قد اجتزنا مرحلة الإنقاذ، فقد عدنا اليها اليوم، لأن عدد المؤسسات التي أقفلت وعدد الأشخاص الذين خسروا وظائفهم، أعادنا عدة سنوات الى الوراء”.
لذلك، شدد فحيلي على أن “المطلوب أن تتخذ الدولة خطوات أساسية، وبالتعاون مع الدول الصديقة والمانحة، لإنقاذ مكونات المجتمع اللبناني من أفراد ومؤسسات، ومساعدتهم على الانتعاش، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة لجهة التخفيف من المصاريف التشغيلية، وصولاً الى نوع من التعافي الاقتصادي وعندها يمكن الحديث عن نمو اقتصادي. وعند مرحلة النمو الاقتصادي فقط، الأشخاص الذين لا يزالون في سوق العمل، يمكن أن تتحسن رواتبهم كثيراً. وهنالك فئات من الاقتصاد ستتحسن رواتبها بصورة أسرع من فئات أخرى، وذلك يعود الى القطاع الاقتصادي العاملين فيه. لذا فتعديل الرواتب لا يعني بالضرورة تحسينها، بل سيؤدي الى ضغوط تضخمية إضافية، ولن تنعكس تحسيناً في الرواتب”.
أما في ما يخصّ المحروقات، فلفت روكز الى أنها “للمؤهلين مبدئياً، حسب موازنة كل جهاز في الدولة، قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة أمّنوا المحروقات، وبالتالي المؤهلون والمؤهلون الأول في هذه الأجهزة يستفيدون من المحروقات. في ما يتعلق بالجيش، تواصلنا مع قائد الجيش وأوضح أن موازنته لا تكفي، ولا إمكان من ضمن موازنة الجيش الحالية لإعطاء المحروقات للمؤهلين”.
وأكد أن “المخرج لهذا الموضوع، بما أننا طلبنا سابقاً من رئيس الحكومة ووافق على الموضوع وحوّله الى قيادة الجيش أن يعيد تحويله الى المالية، بشكل أن يصرف اعتمادات بدل بنزين للمؤهلين والمؤهلين الأول في الجيش، وتحول لهم عبر وزارة المالية وليس عبر قيادة الجيش. هذا هو الحل، لكن بدأت الأحداث الأمنية في الجنوب، ونحن بانتظار وقف إطلاق النار أو تحسُّن الوضع لنتابع الموضوع مع رئاسة الحكومة ووزارة المالية”.


