يُعد مصرف لبنان (BDL) المؤسسة المالية المركزية المسؤولة عن السياسة النقدية في لبنان، لكنه خلال السنوات الأخيرة أصبح محور الأزمة الاقتصادية بسبب سياساته النقدية والمالية غير المستدامة. منذ العام 2019، دخل لبنان في أسوأ أزمة مالية في تاريخه الحديث، حيث شهدت الليرة اللبنانية انهياراً تجاوز 95% من قيمتها، وانهارت الثقة بالقطاع المصرفي، ما أدى إلى أزمة سيولة خانقة، إفلاس فعلي للمصارف، وتجميد أموال المودعين.
ومع تعيين الحاكم الجديد كريم سعيد، تبرز الحاجة إلى رؤية واضحة للاصلاح الاقتصادي والمالي، والتي تتطلب أجندة سياسات لمصرف لبنان والحكومة اللبنانية لتحقيق إصلاحات هيكلية ومستدامة. بناءً على ذلك، نقترح الأجندة التالية:
المرحلة الأولى: الأشهر الثلاثة الأولى (إجراءات طارئة – استعادة الاستقرار المالي).
- إعادة هيكلة السياسة النقدية ويجب أن تتماشى مع السياسة المالية التي سيضعها وزير المالية ياسين جابر لضبط التضخم، وتوحيد سعر الصرف، واعتماد سياسات شفافة تضمن استقرار الليرة اللبنانية وفق آليات السوق.
- إصلاح هيكلية مصرف لبنان عبر تحديث الحوكمة، وتعيين فريق جديد من نواب الحاكم، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإجراء تعديلات على قانون النقد والتسليف لضمان الاستقلالية والفعالية.
- إلغاء أي دور لمصرف لبنان في تمويل العجز المالي أو السياسات شبه المالية، ومنع أي ممارسات شبيهة بالهندسات المالية التي أثبتت فشلها.
- إطلاق التدقيق الجنائي في مصرف لبنان بصورة علنية، مع تحديد جدول زمني للنتائج الأولية، لضمان المساءلة والمحاسبة عن الأخطاء التي أدت إلى الانهيار المالي.
المرحلة الثانية: خلال 6 إلى 12 شهراً (إصلاحات هيكلية – إعادة الثقة بالقطاع المالي).
- إصلاح القطاع المصرفي من خلال تعيين مجالس إدارة جديدة وضمان استقلالية لجنة الرقابة على المصارف، وهيئة الأسواق المالية، ولجنة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب.
- إلغاء السرية المصرفية أو تعديلها وفق معايير دولية شفافة بما يتماشى مع متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، وضمان شفافية المعاملات المالية لتعزيز مكافحة الفساد وغسيل الأموال.
- إنشاء هيئة مستقلة لحل الأزمات المصرفية (Bank Resolution Authority – BRA) تتولى إعادة هيكلة المصارف، وإدارة عمليات إعادة الرسملة والاندماجات، مع إشراك المودعين جزئياً في خطة إعادة الهيكلة.
إدارة أزمة أموال المودعين بصورة صريحة وواقعية:
إعادة هيكلة القطاع المصرفي: ضرورة إجراء عملية إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي، تشمل إعادة رسملة المصارف. سيتم تحويل بعض الأصول إلى صناديق سيادية تتولى معالجة الأزمة، مع إشراك المودعين في العملية بصورة جزئية.
تعويض المودعين: توفير حلول فورية للمودعين الصغار (الذين لديهم ودائع أقل من حد معين) عبر تخصيص جزء من السيولة المجمعة لصالحهم. أما المودعون الأكبر، فيمكن أن يحصلوا على تعويضات جزئية متمثلة في أسهم أو سندات في المصارف المعاد هيكلتها.
إطلاق آلية القروض مقابل الودائع: يمكن منح المودعين خياراً للحصول على قروض مضمونة بناءً على ودائعهم المجمدة، على أن تُسدد هذه القروض على مدار فترة طويلة.
- إطلاق صندوق إعادة الإعمار المستقل بتعاون دولي لاستقطاب المساعدات وتمويل مشاريع البنية التحتية والقطاعات الانتاجية.
المرحلة الثالثة: خلال 12 إلى 24 شهراً (إصلاحات اقتصادية مستدامة).
- إنشاء هيئة مستقلة لإدارة الدين العام تتولى وضع استراتيجية واضحة لإدارة الالتزامات المالية للدولة، وتطوير سوق ثانوية لسندات الخزينة والسندات الحكومية.
- إجراء تدقيق شامل في أصول مصرف لبنان مثل شركة “طيران الشرق الأوسط” وكازينو لبنان، وشركة “إنترا”، ونقلها إلى صندوق سيادي مستقل يُدار باحترافية على غرار الصناديق السيادية العالمية.
الصندوق السيادي: من يديره؟
يتم نقل الأصول إلى صندوق سيادي مستقل يُدار وفق المعايير العالمية، بحيث يكون:
- مستقلاً تماماً عن المصرف المركزي والسياسات الحكومية قصيرة الأمد.
- تحت إدارة احترافية من خبراء ماليين واقتصاديين مستقلين.
- خاضعاً لرقابة دولية ومحلية لضمان الشفافية والمساءلة.
- يهدف إلى تحقيق عوائد مالية مستدامة للدولة، لا لتمويل العجز الحكومي مباشرة.
- تحويل هيئة الرقابة على التأمين إلى هيئة مستقلة لضمان تطوير قطاع التأمين وإدارته بكفاءة بعيداً عن التدخلات الحكومية المباشرة.
- تنفيذ برنامج لاستعادة الأصول المنهوبة (Stolen Asset Recovery – StAR) لتعقب الأموال المهربة واسترجاعها، ومكافحة الفساد على مستوى الدولة.
المرحلة الرابعة: خلال 24 إلى 36 شهراً (تعزيز الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات).
- التفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن اتفاق شامل لدعم الاصلاحات وتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام، يعتمد على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية جذرية.
- استكمال التدقيق الجنائي ونشر نتائجه لضمان المحاسبة واستعادة ثقة المستثمرين والمودعين.
- إعادة هيكلة الدين العام بالكامل بما يضمن تحقيق استدامة مالية طويلة الأمد.
توضيح عن الجدول الزمني
- بعض الاصلاحات يمكن تنفيذها بالتوازي لضمان عدم التأخير في تحقيق النتائج المرجوة.
- نجاح التنفيذ يعتمد على وجود إرادة سياسية قوية، ودعم شعبي، ومتابعة دقيقة من الجهات الرقابية والمجتمع الدولي.
- يجب مراجعة التقدم كل 6 أشهر لتقييم الأداء وتعديل السياسات عند الضرورة.


