اقتصاد لبنان: فرص إصلاح وتعافٍ محفوف بالتحديات

سوليكا علاء الدين
الاقتصاد اللبناني

يشهد الاقتصاد اللبناني مرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، سواء كانت داخلية أو خارجية، ما يؤثر بصورة مباشرة على جهود التعافي وتحقيق الاستقرار في البلاد. فبعد سنوات من الجمود المؤسسي والانكماش الاقتصادي، بالاضافة إلى الخسائر الفادحة التي خلّفتها حرب أيلول – والتي تُقدّر تكلفة إعادة إعمارها بنحو 14 مليار دولار – برزت مؤشرات مشجعة تشير إلى إمكان حدوث انفراج اقتصادي.

تأتي هذه المؤشرات مدفوعة بعدة عوامل، في مقدمها التحولات السياسية المحلية، مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة تضع تنفيذ الاصلاحات الضرورية في صلب أولوياتها. وفي هذا السياق، تعكس التطورات الأخيرة بداية تحوّل إيجابي يبعث الأمل بإمكان استعادة الثقة تدريجياً، لا سيما مع استئناف المحادثات مع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمها صندوق النقد الدولي. إذ أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أن اتفاقاً مع الصندوق قد يُوقَّع قبل خريف هذا العام. وتُعد هذه الخطوة مدخلاً مهماً نحو تأمين دعم مالي خارجي يُسهم بدوره في إعادة إنعاش الاقتصاد.

الإصلاح يحرّك النمو

على وقع الانفراج السياسي، توقّع البنك الدولي أن يسجّل الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في لبنان نمواً بنسبة 4.7 في المئة خلال العام2025 ، بدعم من انطلاق مسار إصلاحي طال انتظاره، إضافة إلى انتعاش ملحوظ في قطاعي السياحة والاستهلاك، إلى جانب تدفقات محدودة مرتبطة بجهود إعادة الإعمار. كما توقّع أن يبلغ معدل التضخّم السنوي في لبنان نحو 15.2 في المئة خلال العام نفسه، وذلك في ظل غياب ضغوط تضخمية إضافية على المستوى العالمي، واستمرار الاستقرار النسبي في سعر الصرف.

على الصعيد المالي، أشارت تقديرات البنك إلى أن الموازنة العامة اللبنانية سجّلت فائضاً بنسبة 0.5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في عامي 2023 و2024، مقارنة بعجز بلغ 2.9 في المئة في العام 2022، وذلك نتيجة لتحصيل إيرادات أعلى من المتوقع، فضلاً عن تشديد السيطرة على الإنفاق العام. وأشار البنك إلى أن الايرادات العامة في العام 2024 بلغت ما يعادل 15.3 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، متجاوزة بذلك التقديرات الحكومية الواردة في الموازنة المُصادق عليها، نتيجة أداء ضريبي أقوى من المتوقع خلال الأشهر التسعة الأولى من العام. إذ شكّلت الايرادات الضريبية نحو 77 في المئة من إجمالي الايرادات العامة، ما يعكس تحسناً في كفاءة التحصيل والامتثال الضريبي.

في المقابل، بلغت النفقات العامة 14.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2024، مقارنة بـ 13.2 في المئة في 2023. ويعود هذا الارتفاع الجزئي إلى القيود التي فرضها مصرف لبنان على استخدام ودائع القطاع العام، التي ارتفعت بنسبة 45 في المئة خلال العام عينه. يُذكر أن الحكومة السابقة قد أقرت مشروع موازنة لعام 2025 قبل تصاعد النزاع في أيلول 2024، حيث حُدّدت الايرادات والنفقات بنسبة 15.9 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي لكل منهما.

مخاطر التعافي

وبحسب تقرير البنك الدولي، فإن آفاق تعافي الاقتصاد اللبناني لا تزال معرضة لجملة من المخاطر، في مقدمها تدهور الأوضاع الأمنية، وهو ما قد ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين، والنشاط السياحي، والتدفقات المالية، وكذلك على مستويات الاستهلاك المحلي. كما أشار التقرير إلى أن حالة عدم اليقين المتزايدة في التجارة العالمية قد تُفرز تأثيرات غير مباشرة يصعب التنبؤ بها في الوقت الراهن.

وفي هذا السياق، رجّح التقرير أن تبقى التأثيرات المباشرة على لبنان محدودة، نظراً إلى أن الصادرات إلى بعض الأسواق الكبرى لا تمثل سوى 4 في المئة من إجمالي الصادرات السلعية اللبنانية. أما التأثيرات غير المباشرة، فستعتمد إلى حدّ كبير على الكيفية التي ستنعكس بها التحولات السياسية والاقتصادية العالمية على حركة التجارة الدولية، وبالتالي على أداء الصادرات اللبنانية.

الإصلاح مفتاح الاستقرار

وأشار بنك “ستاندرد تشارترد” إلى أن لبنان يسير بخطى بطيئة نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، مستنداً إلى تطورات سياسية مُثمرة، وتقدّم في العلاقة مع صندوق النقد الدولي، بالاضافة إلى اعتماد موازنة 2025 وتعديل قانون سرية المصارف. مع ذلك، حذر من أن استمرار الضربات الاسرائيلية قد يصرف الانتباه عن جهود التعافي الاقتصادي. وأوضح البنك أن الانخراط النشط مع صندوق النقد الدولي يمثل مؤشراً مُشجعاً على المدى المتوسط، لكنه شدد على أن إحراز تقدم حقيقي في المحادثات الثنائية يتطلب تنفيذ إصلاحات ملموسة في القطاعين المالي والمصرفي. كما عبّر عن تفاؤل حذر نظراً الى عدم التوصل إلى اتفاق واضح بشأن تقاسم الخسائر المالية بين مصرف لبنان والمودعين والقطاع المالي.

ووفقاً لتقارير البنك، فإن استمرارية الحوار مع صندوق النقد والشركاء الاقليميين تُعد أمراً إيجابياً، خصوصاً في حال اقترن بتقدم حقيقي في خطة التعافي المحلي واعتماد سياسة مالية أكثر انضباطاً في موازنة 2026.

سندات تحت المجهر

الى ذلك، حافظ بنك “ستاندرد تشارترد” على توصيته بـ “وزن السوق” لسندات اليوروبوند اللبنانية، ضمن تصنيفه لأسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب سندات دول مثل مصر، السعودية، وقطر. وكان البنك قد رفع تصنيفه في كانون الثاني 2025 من “أقل من الوزن” إلى “وزن السوق”، مستنداً إلى تراجع حجم المخاطر بعد كسر الجمود الرئاسي وتعيين رئيس وزراء جديد.

ووفقاً للبنك، فإن تسريع عملية تشكيل الحكومة قد يسهم في تحفيز المساعدات الإنمائية، واستئناف التعاون مع صندوق النقد الدولي، وبدء عملية إعادة هيكلة الدين العام. مع ذلك، من المرجح أن تكون هذه العملية طويلة الأمد وقد تواجه بعض التأخيرات، لا سيما في ظل غياب خطة واضحة لتوزيع الخسائر بين الأطراف المعنية، ما يترك المستثمرين في حالة من الترقب وعدم اليقين.

مسار نحو الاستقرار

على الرغم من المؤشرات المُحفزة التي تلوح في الأفق، لا تزال المخاطر السياسية والأمنية، فضلاً عن التقلبات العالمية غير المتوقعة، تمثل تحديات جوهرية أمام استعادة الاقتصاد اللبناني لزخم نموه. ومع ذلك، يظل المضي قدماً في تنفيذ الاصلاحات الهيكلية وتعزيز الاستقرار الداخلي هو المسار الوحيد لاستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي، وجذب الاستثمارات اللازمة. وفي خضم هذه التحديات، تبقى الآمال معلقة على أن تشهد الأشهر المقبلة تطورات مواتية تُفضي إلى استقرار راسخ ونمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل.

شارك المقال