تواصل دولة الامارات العربية المتحدة، بتوجيهات رؤيتها 2050 ومئويتها 2071، ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية بارزة على الساحة الاقليمية والعالمية، من خلال تعزيز دورها التنموي وتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن. تسعى الامارات إلى تعزيز جاذبيتها كوجهة ريادية للأعمال والاستثمار، مع التركيز على تطوير القطاعات الصديقة للبيئة، بهدف ضمان مستقبل أكثر استدامة ورخاء للأجيال القادمة. وفي هذا السياق، أصدر بنك الكويت الوطني مؤخراً تقريره لشهر تشرين الثاني 2024 بعنوان “الآفاق الاقتصادية: مجلس التعاون الخليجي ومصر”، حيث رسم صورة إيجابية للاقتصاد الاماراتي متوقعاً نمواً قوياً في القطاع غير النفطي بنسبة 4 في المئة. كما أشار التقرير إلى توقعات بنمو ملحوظ للناتج المحلي الاجمالي النفطي، بفضل زيادة الانتاج بعد موافقة “أوبك” وحلفائها على سياسة الإلغاء التدريجي للتخفيضات الانتاجية. وعلى الرغم من هذا التفاؤل، تظل التوترات الجيوسياسية أحد المخاطر الرئيسية التي قد تعرقل فرص تحقيق هذا النمو.
2031.. رؤية استثمارية واعدة
تؤكد التوقعات الاقتصادية لعام 2025 استمرار زخم النمو، مدعوماً بتسريع وتيرة تنفيذ مشاريع البنية التحتية الطموحة، لا سيما في قطاع الطاقة. كما من المتوقع أن يشهد قطاع العقارات والإنشاءات ازدهاراً متزايداً، بالتزامن مع انتعاش قطاع السياحة. وقد أسهمت الاستراتيجيات والاصلاحات الاقتصادية الجذرية خلال السنوات الثلاث الماضية، بما في ذلك السماح بالملكية الأجنبية والاصلاحات المتعلقة بمنح التأشيرات في تحويل الامارات إلى وجهة رئيسية لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ تصدرت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العام 2022 وفقاً لتقرير “الأونكتاد”. وبفضل تعزيز الاتفاقيات التجارية، شهدت التجارة الخارجية نمواً قياسياً بنسبة 21 في المئة خلال الفترة 2021-2023، متجاوزة بكثير هدف رؤية “نحن الامارات 2031”.
وتستهدف رؤية 2031 تحقيق نمو شامل ومستدام في الدولة، من خلال التركيز على تعزيز مكانة الامارات الاقتصادية والاجتماعية الاستثمارية على الصعيد العالمي، وذلك عبر تحقيق مجموعة من الأهداف الطموحة أبرزها رفع الناتج المحلي الإجمالي من 1.49 تريليون درهم إلى 3 تريليون درهم، وزيادة صادرات الدولة غير النفطية إلى 800 مليار درهم، وتعزيز مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 450 مليار درهم، فضلاً عن رفع قيمة التجارة الخارجية إلى 4 تريليون درهم.
وتماشياً مع رؤية “نحن الامارات 2031″، أطلقت استراتيجية جديدة تهدف إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 2.2 تريليون درهم بحلول العام 2031. كما تسعى الاستراتيجية إلى تعزيز مكانة الدولة كمركز عالمي للاقتصاد الجديد، من خلال الاستثمار في قطاعات المستقبل وتنمية الكوادر الاماراتية.
4%.. نمو غير نفطي
ويُتوقع أن يشهد الاقتصاد غير النفطي زخماً متزايداً بنسبة 4 في المئة في العام المقبل، مدفوعاً بعدد من العوامل الاقتصادية الداعمة، مثل خفض أسعار الفائدة، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، والمشاريع الانشائية الكبرى، بالاضافة إلى الاصلاحات الحكومية الفاعلة واستمرار النمو القوي في قطاعي السياحة والتجارة. كما سيسهم انتعاش الائتمان الخاص في العام 2024، الذي سجل نمواً واضحاً بلغ 6.9 في المئة على أساس سنوي في حزيران، في تحفيز النشاط الاقتصادي. وستدعم التدفقات الاستثمارية المتزايدة أسواق المال والعقارات، بحيث تؤكد الأرقام القياسية التي حققتها الأسواق العقارية في دبي، بزيادة 30 في المئة، دور هذه القطاعات في تعزيز النمو الاقتصادي.
وأظهر مسح حديث تسارعاً ملموساً في نمو نشاط القطاع الخاص غير النفطي في الامارات، مع زيادة الانتاج بوتيرة أسرع، على الرغم من تباطؤ نمو الطلب إلى أدنى مستوى له منذ 20 شهراً. وسجل مؤشر “ستاندرد أند بورز غلوبال” لمديري المشتريات المعدل حسب العوامل الموسمية ارتفاعاً ملحوظاً في تشرين الأول، حيث بلغ 54.1 مقارنة بـ 53.8 في أيلول، ليظل بذلك فوق مستوى الـ50 الذي يفصل بين النمو والانكماش. وبفضل الزيادة الملحوظة في المبيعات ومرونة سير الأعمال، تمكن نمو الإنتاج من تحقيق انتعاش ملموس في الشهر الماضي، حيث ارتفع المؤشر الفرعي إلى 61.3، متجاوزاً بذلك أدنى مستوى سجله في أيلول.
2025: انتعاش النفط
كما يستعد قطاع النفط في الامارات لتحقيق انتعاش قوي في العام 2025، بحيث من المتوقع أن ينمو بنسبة 7.8 في المئة بعد العام 2024 الذي شهد نمواً ضعيفاً بنسبة 0.4 في المئة فقط. ويعزى هذا الانتعاش إلى الإلغاء التدريجي لتخفيضات إنتاج النفط التي فرضتها منظمة “أوبك”، والتي ستبدأ في كانون الأول 2024. وبفضل هذه الخطوة، من المتوقع أن يصل إنتاج النفط العالمي إلى 304 ملايين برميل يومياً بنهاية العام المقبل.
وتساهم الاستثمارات الضخمة في قطاع التنقيب عن النفط والغاز، والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار وتقودها شركة “أدنوك” وشركاؤها، في تسريع وتيرة النمو، إذ يضع هذا الأمر الامارات على المسار الصحيح لتحقيق هدفها المتمثل في زيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً في العام 2026، أي قبل عام من الموعد المستهدف سابقاً. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي للامارات نمواً متسارعاً بنسبة 5.1 في المئة في العام 2025، مقارنة بالنمو المتوقع لهذا العام. ومع ذلك، يبقى هذا النمو دون تحقيق الهدف الطموح لرؤية الامارات 2031، الذي يهدف إلى تحقيق نمو سنوي مضاعف بنسبة 7.2 في المئة.
ازدهار عقاري
حافظ سوق العقارات في دولة الامارات على قوته خلال العام 2024، مدفوعاً بتدفقات العمالة الوافدة والاستثمار الأجنبي، ما عزّز مكانة الامارات كملاذ آمن لرؤوس الأموال. فقد بلغت قيمة المبيعات العقارية في دبي 375 مليار درهم (أي ما يعادل 102 مليار دولار أميركي) في الأشهر التسعة الأولى من العام 2024، مسجلةً زيادة بنسبة 30 في المئة على أساس سنوي، على الرغم من تراجعها مقارنة بنسبة الزيادة الاستثنائية التي سجلت 62 في المئة في الفترة نفسها من العام 2023.
وكانت شركة “درِفن للعقارات”، إحدى الشركات الرائدة في مجال الوساطة العقارية والمتخصصة في قطاع الرفاهية، قد أعلنت مؤخراً عن إتمام صفقة استحواذها على مبنى 3 في “إعمار سكوير” بقيمة 505 ملايين درهم إماراتي (ما يعادل 137.5 مليون دولار). وتمتد قطعة الأرض التي يقع عليها المبنى على مساحة 378,885 قدماً مربعاً، ما يجعلها واحدة من أبرز عمليات الاستحواذ وأكبرها في وسط مدينة دبي لهذا العام.
ومن المرجح أن يستمر التراجع عن هذه المعدلات الاستثنائية حتى العام 2025، مع توقعات بمعدل نمو معتدل في أسعار العقارات، التي يُتوقع أن تسجل في دبي زيادة بنسبة 20 في المئة على أساس سنوي، وفي أبوظبي بنسبة 8 في المئة خلال الفترة من كانون الثاني إلى أيلول 2024، مدعومة بزيادة المعروض السكني. وعلى الرغم من ذلك، يُتوقع أن يسهم خفض أسعار الفائدة في دعم الطلب على العقارات، خصوصاً على الشقق الفاخرة، نظراً الى تقييماتها المنخفضة نسبياً وإمكاناتها لتحقيق عوائد مرتفعة.
في المقابل، أشارت التقديرات إلى امكان ارتفاع تضخم أسعار المستهلكين بصورة هامشية إلى 2.4 في المئة في العام 2025، مقابل 2.2 في المئة في العام الحالي، وهو معدل منخفض بالنظر إلى النمو الاقتصادي القوي المتوقع خلال تلك الفترة. ومن المتوقع أيضاً أن تساهم زيادة المعروض السكني في كبح ارتفاع إيجارات المساكن، التي شهدت أداءً قوياً هذا العام (6.5 في المئة على أساس سنوي من كانون الثاني إلى آب في دبي). كما قد تنخفض تكاليف النقل نتيجة تراجع أسعار الوقود في العام 2025، وذلك على خلفية التوقعات بانخفاض أسعار النفط.
صمود مالي
على الرغم من التوقعات بتراجع فائض المالية العامة من 3.1 في المئة إلى 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2025، نتيجة لزيادة النفقات وانخفاض أسعار النفط، إلا أن الوضع المالي للامارات يظل مستقراً وقوياً مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. ويعكس الارتفاع المخطط في النفقات ضمن الميزانية الاتحادية وميزانية إمارة دبي لعام 2025، بزيادة تصل إلى 11.5 في المئة لتبلغ 72 مليار درهم في الميزانية الاتحادية، و5.8 في المئة لتصل إلى 84 مليار درهم في ميزانية دبي، التزام السلطات بالمضي قدماً في تنفيذ خططها الطموحة للاستثمار في البنية التحتية والتنمية المستدامة.
يشهد الدين الحكومي للامارات تراجعاً مستمراً، بحيث يُتوقع أن ينخفض من 31 في المئة إلى 27 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2025، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. ويستمر التصنيف الائتماني المرتفع للامارات مدعوماً بمستوى الدين المعتدل وصافي الأصول الخارجية القوي، الذي يُقدّر بحوالي 1.5 تريليون دولار أميركي، أي ما يعادل 280 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. كما يساهم النمو المستمر في صادرات الامارات غير النفطية وتوسع قطاع السياحة في تعزيز الاستقرار المالي. وكانت وكالة “فيتش” أكدت مؤخراً التصنيفات الائتمانية السيادية المرتفعة لإمارة أبوظبي “AA” وللدولة الاماراتية “AA”، مع نظرة مستقبلية مستقرة، ما يعكس الثقة العالمية في قوة الوضع المالي للامارات واستدامته.
الجيوسياسية تعرقل النمو
تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن هناك أساساً قوياً للنمو في الامارات، مدعوماً بالسياسات التوسعية للموازنات المحلية والاتحادية، بالاضافة إلى التخفيضات المرتقبة في أسعار الفائدة، والمشاريع الانشائية الضخمة التي تستهدف تعزيز البنية التحتية، فضلاً عن الزيادة المتوقعة في إنتاج النفط. هذه العوامل مجتمعة توفر بيئة مواتية لاستمرار الزخم الاقتصادي في المستقبل القريب.
وبحسب التقرير، تظل هناك عدة مخاطر رئيسية قد تؤثر على هذا المشهد الاقتصادي المتفائل. من أبرز هذه المخاطر احتمال تصاعد الصراعات الاقليمية، التي قد تؤدي إلى تراجع الثقة في الأسواق وتؤثر سلباً على الاستثمارات. بالاضافة إلى ذلك، يبقى انكماش الاقتصاد العالمي من التحديات التي تهدد استقرار الاقتصاد الاماراتي، بحيث أن ارتباطه الوثيق بالاقتصاد العالمي يعني أن أي تباطؤ في النمو العالمي قد يسبب تقلبات كبيرة في الأداء الاقتصادي المحلي. في حال حدوث هذه المخاطر، من المتوقع أن يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تداعيات أعمق على النشاط غير النفطي في الامارات مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة، نظراً الى انفتاح اقتصادها الكبير وتعرضه المباشر لتقلبات الاقتصاد العالمي.


