تبقى الأنظار متجهة داخلياً وخارجياً الى أسبوع الرئيس سعد رفيق الحريري، الذي سيصل الى بيروته في زيارة يتوقع أن تكون أطول من سابقاتها، مع ما ستحمله في طياتها من رسائل واضحة، خصوصاً وأنها الذكرى العشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، والتي ستكون مختلفة ومغايرة هذا العام في ظل التطورات الحاصلة بعد سقوط النظام السوري البائد، ومقتل قتلة الرفيق، وفي ضوء انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة أصيلة، وبالتالي الرئيس الحريري سيعود الى الساحة.
وهذه العودة، ستقابلها عودة لتيار “المستقبل” الى الساحة مجدداً والاعداد للإنتخابات النيابية المقبلة، كما هو متوقع والحريريون هذا العام سيطلقون صرخة موّحدة، رافضين كل أشكال تهميشهم أو إقصائهم، وسيطالبون الرئيس الحريري، الزعيم الوطني بالعودة الى الحياة السياسية، كبوصلة أساسية لجميع المكونات، كما كان طيلة السنوات الماضية.
وفي حين يترقب الخصوم قبل الأصدقاء يوم 14 شباط، ليروا ويسمعوا صرخة الحريريين، كان لافتاً التصدي السعودي والعربي الموّحد، لكلام رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أكد إستمرار عمله من أجل تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي السعودية. وجاء كلامه بعد اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام تسلم قطاع غزة من إسرائيل والسيطرة عليه، لإنشاء “ريفييرا الشرق الأوسط”، واعادة توطين الفلسطينيين في دول وأماكن أخرى. كلام نتنياهو ووجه برفض قاطع من المملكة العربية السعودية التي أكدت أن هذه العقلية المتطرفة المحتلة لا تستوعب ما تعنيه الأرض الفلسطينية لشعب فلسطين الشقيق، وارتباطه الوجداني والتاريخي والقانوني بهذه الأرض.
وثمّنت السعودية، في بيان لوزارة الخارجية، ما أعلنته الدول الشقيقة من استهجان ورفض تام لما صرح به نتنياهو بشأن تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، معتبرة أن هذه المواقف تؤكد مركزية القضية الفلسطينية لدى الدول العربية والاسلامية. ورأت أن “هذه العقلية المتطرفة المحتلة لا تستوعب ما تعنيه الأرض الفلسطينية لشعب فلسطين الشقيق وارتباطه الوجداني والتاريخي والقانوني بهذه الأرض، ولا تنظر إلى أن الشعب الفلسطيني يستحق الحياة أساساً، فقد دمرت قطاع غزة بالكامل، وقتلت وأصابت ما يزيد على 160 ألفاً، أكثرهم من الأطفال والنساء، من دون أدنى شعور إنساني أو مسؤولية أخلاقية”.
وأدان الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي، بأشد عبارات الادانة والاستنكار، التصريحات الاسرائيلية “الخطيرة وغير المسؤولة التي تؤكد نهج قوات الاحتلال الاسرائيلية في عدم احترامها للقوانين والمعاهدات الدولية والأممية وسيادة الدول”.
وسرعان ما أعلنت القاهرة عن إستضافتها قمة عربية طارئة في 27 شباط الجاري لتناول التطورات المستجدة والخطيرة للقضية الفلسطينية، وذلك بعد التنسيق مع مملكة البحرين الرئيس الحالي للقمة العربية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية.
داخلياً، بدا كأن القديس مار مارون هذا العام هو المسهل لعملية تشكيل الحكومة التي تعذرت لما يقارب ثلاثة أسابيع، فجمع الرؤساء الثلاثة الى جانب الـ24 وزيراً وعدد من النواب تحت سقف كاتدرائيّة مار جرجس المارونيّة في وسط بيروت، خلال القداس الالهي لمناسبة عيد شفيع الطائفة المارونية، وببركاته على حد تعبير رئيس مجلس النواب نبيه بري، شُكلت الحكومة في اليومين الماضيين، ما يجعل البلاد اليوم على سكة التعافي الحقيقية، خصوصاً وأن صفارة الانطلاقة تبدأ يوم غد الثلاثاء في أول جلسة لمجلس الوزراء تعقد في قصر بعبدا، بعدما دعا إليها الرئيس جوزاف عون.
وقال البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في عظته التي ألقاها خلال ترؤسه القداس: “فخامة الرئيس أعدتم لعيد أبينا القدّيس مارون، وهو عيد وطنيّ، رونقه بانتخابكم على رأس الدولة اللبنانيّة، بعد فراغٍ دام أكثر من سنتين في سدّة الرئاسة. فبانتخابكم عادت الثقة بشخصكم إلى قلوب اللبنانيّين، وإلى أسرة الدول العربيّة والغربية وهي ثقة لطالما انتظروها، فأتت بعد طول انتظار. وازدادت بالأمس بتأليف الحكومة اللبنانيّة الجديدة الموصوفة بالإصلاح والإنقاذ. فنهنّئكم، صاحب الفخامة، ونهنّئ دولة رئيسها القاضي نوّاف سلام، ونهنّئ الوزراء الجدد وجميعهم واعدون، متمنّين لها ولهم النجاح في المهام الكبيرة التي تنتظرهم، وقد جئتم على ذكرها في خطاب القسم. ولكون الحكومة من بركات مار مارون في عيده، نصلّي إليه كي يشفع بها لدى الله فتتمكّن من تنفيذ كلّ إصلاح وإنقاذ”.
أضاف: “ماذا يقول لنا اليوم القدّيس مارون في عيده الوطنيّ؟ بعد خبرة خمسين سنة من الحرب، وتقهقر اقتصاديّ وماليّ واجتماعيّ وثقافيّ وأخلاقيّ. يقول لنا: وطني وطن القداسة، لا وطن الحديد والنار. وطني وطن المحبّة، لا وطن الأحقاد. وطني وطن السلام، لا وطن الحروب. وطني وطن الحضارة، لا وطن الإنحطاط. وطني وطن الإنفتاح، لا وطن الإنعزال. أوقفوا التمادي في المماطلة. أوقفوا إسقاط السلطة القضائيّة. أوقفوا فقدان السيادة والكرامة. أوقفوا الإعتداء على الدستور والأزمة السياسيّة. لقد اختنق الشعب من الجمود، فقدّموا له حلًّاً من حلول، وتسوية من تسويات، وحقيقة من حقائق. إنّ الخطر الحقيقيّ الذي يواجه لبنان هو الإنزلاق في محور الإنحطاط”.
وأكد الراعي أن “الحياد مطروح لإنقاذ وحدة لبنان أكثر مما لإنقاذ لبنان بحدّ ذاته. فلبنان باقٍ في جميع الأحوال، لكنّنا نريد أن يبقى لبناننا جميعاً، نحن المؤمنين به واحة سلام، وكيان لقاء، وقوّة دفع للإخوّة بين ضفّتي المتوسّط، وملتقىً تتجسّد فيه قيمُ الأديان”.
وفيما التعافي عنوان المرحلة المقبلة، كانت المعارك تحتدم على الحدود اللبنانية – السورية، والتي بدأت منذ عدّة أيام بين “هيئة تحرير الشام”، والعشائر البقاعية، وإزاء الخطورة الواضحة وتطور الأحداث الى إمكان الإنزلاق الى حرب جديدة، تدخل الجيش اللبناني، وعمل على ضبط الأوضاع، ورد بـ”الأسلحة المناسبة”على إطلاق قذائف من سوريا باتجاه لبنان عبر الحدود بين البلدين.
وأعلن الجيش في بيان أمس، أن “عمليات إطلاق القذائف على مناطق لبنانية محاذية للحدود الشرقية تكررت، فيما تُواصل وحدات الجيش الرد بالأسلحة المناسبة”، مشيراً الى أن وحداته “تنفّذ تدابير أمنية استثنائية على امتداد هذه الحدود، يتخلّلها تركيز نقاط مراقبة، وتسيير دوريات، وإقامة حواجز ظرفية”.


