بينما تتكشّف تباعاً أبعاد الأزمة السورية الأخيرة في السويداء وتداعياتها الاقليمية، سُجّلت في بيروت رسالتان واضحتان: الأولى من دار الفتوى التي شكّلت مظلّة وطنية لرفض الفتنة، والثانية من الشوف، حيث جاء موقف البيئة الدرزية قاطعاً في نبذ كل من يحاول استثمار الدم لصالح أجندات خارجية.
ففي بيان عالي النبرة، وضع مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان النقاط على الحروف، رافضاً أي محاولة لزجّ لبنان في أتون الصراعات الطائفية. وبدلاً من الانزلاق نحو اصطفافات مذهبية، دعا إلى تعزيز التضامن الوطني، والتمسك بالدولة ومؤسساتها، وتحييد لبنان عن أزمات الخارج، وخصوصاً ما يحدث في سوريا. وشدد دريان على أن “لا بديل عن الدولة”، وأن الوحدة الوطنية تبقى السدّ المنيع بوجه مشاريع الفتنة.
في السياق نفسه، عبّر الشارع الدرزي عن موقفه بصمتٍ أقوى من الكلام. ففي خلوة جرنايا في كفرحيم، وخلال مراسم عزاء بضحايا السويداء، انسحب رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط ونجله تيمور ومعهما وفد الحزب وحشد من المشايخ فور وصول الوزير السابق وئام وهاب. وخلال دقائق، تحوّلت الساحة من مكتظّة إلى شبه خالية، في مشهد لا يخطئ معناه السياسي: الجبل يلفظ من يحاول تجيير دمه للخارج.
هذا الانسحاب لم يكن مجرد حركة احتجاجية، بل موقف سياسي وشعبي رافض للتوظيف الاعلامي الذي مارسته إسرائيل مؤخراً باسم “حماية الدروز”. وقد بدا واضحاً أن من تبنّى هذه الخطابات، أو تماهى معها، فقد شرعيته داخل بيئته، حتى لو بقي يمارس الثرثرة السياسية من دون جمهور.
السويداء في هدنة هشة
على الضفة السورية، دخلت السويداء مرحلة الهدوء الحذر، بعد اتفاق رعته واشنطن وشاركت فيه دمشق والفصائل المحلية. فقد أعلنت وزارة الداخلية السورية عن انسحاب العشائر المسلحة وانتشار قوى الأمن الداخلي، في خطوة أولى نحو تبادل الأسرى وإعادة الخدمات. لكن المعاناة لا تزال قائمة، من غياب الرعاية الطبية إلى تعذّر دفن الجثث بسبب انهيار البنى التحتية.
باراك في بيروت.. و”الخطر الوجودي” من الضاحية
الى لبنان، وصل الموفد الأميركي توم باراك لتسلّم الرد اللبناني الرسمي على ورقة واشنطن بشأن حصرية السلاح بيد الدولة. ووفق مصادر مطلعة، فإن اللجنة الثلاثية أنهت صياغة رد يتضمّن استعداداً لتسليم السلاح الثقيل ضمن إطار مرحلي، مقابل التزام إسرائيلي فعلي بالقرار 1701، ووقف الخروق، وتسليم الأسرى اللبنانيين.
إلا أن “حزب الله”، وعلى لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، رفع السقف مستبقاً زيارة باراك ومتحدثاً عن “خطر وجودي” يستهدف المقاومة، مشترطاً إزالة هذا الخطر قبل أي نقاش حول الاستراتيجية الدفاعية. ومضى نواب الحزب في الاتجاه نفسه، معتبرين أن “السلاح ليس للبيع”، في تأكيد على التمسك الكامل بخيارات ما قبل الدولة، ولو تحت عنوان الحماية.
بين رسائل دار الفتوى وصرخة الجبل، وبين هدنة السويداء وزيارة باراك، يتّضح أن لبنان يقف مجدداً عند مفترق حاسم: فإما أن يتمسّك بخيار الدولة كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار، أو يواصل التآكل تحت وطأة الخطابات الممانِعة التي تحتمي بـ”الخطر الوجودي” لتبرير الدويلة. وفيما تنحسر شرعية المتاجرين بدم السويداء، تتبلور معادلة جديدة: الداخل اللبناني، من بيروت إلى الجبل، يرفض الانجرار إلى لعبة المحاور. أما المقاومة الحقيقية، فهي اليوم مقاومة الفتنة، واستعادة الدولة من بين أنقاض الشعارات الثقيلة التي لم تجلب سوى العزلة والانهيار.


