واشنطن ترفض “مقايضة بري”… وإسرائيل تُفاخر بجردة اغتيالات بعد الهدنة

لبنان الكبير / مانشيت

بصمت حادّ يشبه الرفض أكثر مما يشبه التجاهل، طوت واشنطن صفحة المقترحات اللبنانية التي حاول رئيس مجلس النواب نبيه بري تمريرها عبر الموفد الأميركي توماس باراك. المقترح الذي بدا عقلانياً في ظاهره – وقف الخروق الاسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل إطلاق مسار لحصرية السلاح – ووجه بجدار أميركي صلب: لا مقايضة، لا انسحاب، لا ضمانات. السلاح أولاً، وكل شيء بعده.

بهذا الموقف، كرّست الولايات المتحدة معادلتها الجديدة في الملف اللبناني: نزع سلاح “حزب الله” ليس ثمناً لتهدئة، بل شرط مسبق لأي نقاش في مستقبل الدولة. وهو ما يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة مستحيلة: إما أن تفرض ما لا تملك أدوات فرضه، أو أن تواصل الغرق في مستنقع الانقسام وفقدان القرار.

في المقابل، يتمسك “حزب الله” بسقفه المرتفع: لا نقاش في أي نزع سلاح ما لم تتوقف الاعتداءات الاسرائيلية ويُصار إلى اتفاق شامل يضمن الاعمار وعودة النازحين وإقرار استراتيجية دفاعية. لكن هذه المعادلة الهشة تتعرض اليوم لهجوم مزدوج: من السماء بصواريخ إسرائيلية، ومن المفاوضات التي تشترط خنق الحزب قبل أي تنفّس سيادي.

وجاءت جردة الحساب الاسرائيلية لتؤكّد أن ما بعد وقف إطلاق النار لم يكن هدنة فعلية، بل مرحلة تصفية ممنهجة لقدرات الحزب. ففي إحاطة إعلامية غير مسبوقة، تفاخر الجيش الاسرائيلي بتنفيذ 597 عملية عسكرية ضد “حزب الله”، بينها 233 عملية اغتيال، بعد الاعلان عن وقف النار. لم تكتفِ إسرائيل بتصفية المقاتلين، بل دمّرت أكثر من 70% من منصات الصواريخ القصيرة المدى، وألحقت أضراراً كبيرة بـ”قوة الرضوان”، التي كانت تُعدّ رأس الحربة في سيناريوهات اجتياح الجليل.

الرسالة الاسرائيلية واضحة: تحييد السلاح عملياً، قبل أي اتفاق سياسي أو مفاوضات دولية، ثم فرض الأمر الواقع على لبنان كخريطة طريق للمرحلة المقبلة.

وفي ظل هذا التصعيد الميداني، تحاول السلطة اللبنانية التقاط أنفاسها من باب الاقتصاد. فمشروع “إصلاح المصارف”، المتوقع إقراره هذا الأسبوع، يُروّج له كخطوة أولى لمعالجة أزمة المودعين، بعد ست سنوات من الاهمال والانهيار. المشروع يتحدث عن إعادة جزئية لبعض الودائع، وفق تصنيفات تبدأ من سقف مئة ألف دولار، ولكن الحقيقة أقسى بكثير: 83 مليار دولار معلّقة، مقابل أقل من 11 مليار دولار في الاحتياط.

وما لا يقوله النص، تقوله الأرقام: الحل المرتقب ليس سوى توزيع طويل الأمد للخسائر، وفق تصنيفات عمرية ومهنية للمودعين، تحت عنوان “عدالة مؤلمة” لا تعني سوى تخلي الدولة عن التزاماتها الفعلية.

الخطير أن هذه المقاربة المالية ليست منفصلة عن الضغوط السيادية. فكل خطوة في اتجاه استعادة الأموال، تمرّ عبر شروط خارجية: نزع سلاح “حزب الله”، إصلاحات تحت الرقابة، وتحرير القرار الوطني من القبضة السياسية الداخلية.

هكذا تتقاطع خيوط الانفجار المالي والانكشاف الأمني: واشنطن ترفض “الحلول الداخلية” وتتمسك بالشروط القصوى، إسرائيل تفرض التوازن بالنار، الدولة تناور بقوانين غير مكتملة، وبرلمان بري يناور لتقديم الممكن قبل أن يُفرض عليه المستحيل.

والسؤال المتفجر: هل ما ترفضه واشنطن اليوم بلغة ديبلوماسية، ستفرضه غداً بشروط ميدانية؟ وهل تنجح السلطة في “تسكين” آلام المودعين بقانون ناقص، فيما البلد بأسره على وشك الدخول في تسوية كبرى تبدأ من الحدود ولا تنتهي عند المصارف؟

شارك المقال