قاسم يصعّد ويخوّن… إسرائيل تهدّد بمنع إعمار الجنوب

لبنان الكبير / مانشيت

بينما يغلي الجنوب على خط النار والقلق، ويترنّح الداخل اللبناني تحت وطأة الانهيار، صعّد “حزب الله” خطابه السياسي إلى أقصى درجات المواجهة، فكان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الصوت الأعلى، مستعيداً نبرة التخوين القديمة – الجديدة نفسها. ففي موقف مشحون، وضع قاسم كل من يدعو إلى تسليم السلاح في خانة العمالة لاسرائيل، قائلاً بوضوح: “كل من يطالب بتسليمه اليوم إنما يخدم المشروع الاسرائيلي”. هكذا، أعاد الحزب إطلاق معادلة “الوطنية على مقاس السلاح”، ناسفاً أي محاولة لفتح نقاش وطني في لحظة مصيرية.

في المقابل، لم تكن إسرائيل في موقع الدفاع أو الترقب، بل بادرت بدورها إلى التصعيد، لكن من بوابة مختلفة: التهديد بحرمان الجنوب من الاعمار. إذ أعلن وزير المالية الاسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وبصريح العبارة، أن “القرى التي دمّرها الجيش الاسرائيلي لن يُعاد بناؤها”، مؤكداً أن قوات الاحتلال “لن تنسحب من النقاط الخمس” التي تحتلها في جنوب لبنان. هي ليست مجرد تصريحات، بل إعلان نوايا لمواصلة فرض أمر واقع ميداني طويل الأمد، على أنقاض قرى مدمّرة وسكان مشرّدين.

وفي سياق ترويج السردية الاسرائيلية حول إضعاف الحزب، ذهب سموتريتش إلى حدّ الإيحاء بأن سلاح “حزب الله” قد يكون “تدمّر فعلياً”، وأن “المرشد الايراني ربما تخلّى عنه”.

وفي بيروت، يتفاعل هذا الاشتباك الاقليمي مع اشتباك داخلي لا يقل خطورة. فالمداولات الحكومية حول إمكان إدراج بند سلاح “حزب الله” على جدول أعمال الجلسة المقبلة فجّرت تباينات بين رئاستي الجمهورية والحكومة من جهة، ومن جهة أخرى رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يرى في الطرح “توقيتاً ملغوماً”. وهو انقسام يكشف هشاشة الموقف الرسمي، وغياب التوافق حتى على أولويات النقاش.

أما قاسم، فواصل هجومه على المبعوث الأميركي توم باراك، متهماً إياه بـ”قلب الحقائق وصناعة المشكلة في البلد”، ومتمسكاً بشرط الحزب الأساسي: لا نقاش قبل توقف العدوان وانسحاب إسرائيل وإعادة الأسرى. وتابع بنبرة لا لبس فيها: “بعدها خذوا منّا أحلى تجاوب”، في تلويح واضح بأن القرار في يد الحزب، لا الدولة، ولا الموفد، ولا المجتمع الدولي.

ومع اتساع الخنق المالي الذي تمارسه واشنطن، يبدو أن كل ما يُطرح من إصلاحات داخلية لا يشفع للبنان في ميزان الضغط الأميركي. فالمعادلة باتت مكشوفة: لا إعمار من دون حلّ لمعضلة السلاح، ولا وقف للعدوان من دون تبدّل في تموضع “حزب الله”.

في ظل هذه المعادلة القاتلة، يتقدّم سيناريوان متوازيان: سلاح متمسّك به حتى الرمق الأخير، واحتلال لا يخجل من التلويح بمواصلة التدمير. أما الدولة، فغائبة عن القرار، عاجزة عن فرض أي مسار جامع، تتلقى الصفعات من الداخل والخارج.

لبنان اليوم في مواجهة مفتوحة مع طرفين يتصارعان على أرضه: “حزب الله” يصعّد ويخوّن، وإسرائيل تهدّد بمنع الاعمار. أما الشعب، فمدعوّ مجدداً الى دفع الفاتورة وحده، من دمائه وأرزاقه ومستقبله.

شارك المقال