لم تكن ما حدث في الساعات الماضية مجرد عمليات أمنية ومداهمات تُسطّر في سجل الخارجين عن القانون، بل كانت بمثابة رسالة واضحة وصريحة بعد القرار الحكومي الأخير، الذي قضى بتكليف الجيش اللبناني وضع خطة لحصر السلاح قبل نهاية العام، على أن تُعرض على مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر الحالي.
فما حدث كان بمثابة توجيه رسائل بأن الجيش والأجهزة الأمنية حازمون في القرار، مستخدمين تقنيات متطورة جداً، من طوافات ومسيرات، لتنفيذ العملية بكل احتراف ودقة في التنفيذ، في مواجهة كل من يتعدى على القانون، وكل من يعتبر نفسه ضمن “دويلة” يحق له أن يفعل ما يشاء، متى شاء، وكيفما شاء.
وليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها الجيش هذه التقنيات المتقدمة في عمليات المداهمة، فمن ينسى العملية الأمنية الكبيرة التي قام بها عام 2018 في البقاع، والتي هدفت إلى تصفية أحد كبار تجار المخدرات، الملقب بـ”إسكوبار البقاع”؟.
إذاً، فإن العملية الأمنية الكبرى التي حبكها الجيش ونفذها بالأمس في البقاع، فارضاً طوقاً أمنياً واسعاً، ومواجهاً كل العصابات التي تفتك بالبشر، وتهرّب الأسلحة، وتبيع الممنوعات على أنواعها، وتعتدي على القوى الأمنية، والمُسطر بحقها آلاف مذكرات التوقيف، وآخرها علي منذر زعيتر، الملقب بـ”أبو سلّة”، أحد أكبر تجار المخدرات، إلى جانب آخرين، تؤكد أنه حان الوقت لوضع حد لهذه الحالة، ولمساءلتها ومحاسبتها، في حال لم تبادر إلى تسليم نفسها.
وبالتالي، فإن إعادة فرض دولة القانون، وبسط سلطة الجيش وكافة الأجهزة الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية، وتجريد الجميع من السلاح، ليس “خطيئة كبرى” كما وصفها “حزب الله”، بل “فخر كبير” طال انتظاره، نتيجة “خطاياهم كبرى” أوصلت البلاد إلى ما نحن عليه اليوم.
فبدلاً من لعب دور “الضحية” عبر إصدار بيانات توحي بأن قرار الحكومة غير موجود، ومحاولة شد عصب الطائفة والبيئة التابعة لكم، أعيدوا حساباتكم، وانظروا إلى مصلحة لبنان أولاً، بدلاً من إبقاء مصالح محاوركم الخاصة أولوية. وانظروا إلى حال النازحين من منازلهم، والذين لا يملكون مأوى حتى اللحظة، ولم تتمكنوا من التعويض عنهم لأنكم لا تملكون المال ولا القدرة على ذلك.
وبينما تتجه الأنظار مجدداً إلى الجلسة الحكومية المنعقدة خلال الساعات الماضية، لاستكمال البحث في بنود ورقة الموفد الأميركي توماس باراك، والتي بلغ عددها 11 بنداً، كان لافتاً موقف حركة “أمل”، الذي أظهر وكأن الرئيس نبيه بري لم يكن على علم بما سيحدث، ولم يكن مشاركاً في المشاورات واللقاءات التي تكثّفت قبل موعد الجلسة. إذ اعتبرت “أمل” أن الحكومة تعمل بعكس ما جاء في خطاب القسم، ومخالفة لبيانها الوزاري، مشيرةً إلى أن “جلسة الخميس فرصة للتصحيح وعودة للتضامن اللبناني كما كان”، مع العلم أن وزيرتهم كانت أعلنت بأنها ستتواجد في الجلسة.
وفي حين يعارض الحزب علنياً تسليم سلاحه تحت شعار تحقيق المزيد من المكاسب، يقتنع ضمنياً بأن لا مجال بعد اليوم للعمل العسكري، إذ حان وقت لملمة الجراح والعودة إلى ممارسة العمل السياسي البحت، دون أي ذرائع إضافية. وهذا ما يقوم به فعلاً من خلال جولة مكوكية بدأها منذ حوالي عشرة أيام، محاولاً إعادة رسم موقعه الداخلي، في إطار التحضير للانتخابات البرلمانية، ورسم التحالفات، في حال لم يتم تعطيل الاستحقاق أو تأخيره تحت ذرائع متجددة.
وقد قام بالأمس بزيارة أحد آخر فلول نظام الأسد، الذي يحاول اليوم تقديم نفسه بصورة مختلفة، والمتمثل بالنائب الطرابلسي فيصل كرامي، مع العلم أن الأخير كان قد أكد مؤخراً أن موقفه من سلاح “حزب الله” ينسجم تماماً مع موقف الدولة والدستور، الذي ينصّ على أن لبنان دولة ذات سيادة، وأن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الأجهزة الأمنية الرسمية اللبنانية.


