الممانعة شهرت سلاح "الورقة البيضاء" والمعارضة ردت بـ"ميشال إده"

مانشيت 30 أيلول , 2022 - 12:05 ص

 

كما كان متوقعاً، لم تخرج الجلسة الأولى لانتخاب رئيس للجمهورية في مجلس النواب أمس عن اطار التوقعات والسقوف التي وضعت لها، ولم تحمل أي مفاجأة سارة، بل على العكس أظهرت أن قوى المعارضة التي تشكل الأكثرية الجديدة لا تزال منقسمة وغير متوافقة في التوجهات والرؤية، كما أن تصويت قوى الموالاة بالورقة البيضاء يعكس عدم التوافق على مرشح، ولكن يظهر أيضاً مدى الارتهان للخارج وانتظار الضوء الأخضر من خلف البحار، وكأن البلد في أحسن أحواله ولا تتلاطمه الأزمات الخانقة التي تهدد بنسفه عن بكرة أبيه، والأنكى من كل ذلك أن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الموعودة منذ 6 سنوات كانت بمثابة "بروفة" بالنسبة الى النواب أو رحلة استكشافية استشرافية للمرحلة المقبلة وللتموضعات السياسية وكأن أهل مكة لا يدرون بشعابها.

انطلقت الجلسة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية كما كان متوقعاً، أي جلسة مكتملة النصاب، بحضور 122 نائباً من أصل 128، ولكن بلا رئيس بسبب عدم قدرة أي جهة ان كان من الموالاة أو المعارضة على ايصال شخصية من دون التوافق المسبق عليها، اذ بدا التشرذم واضحاً من خلال التصويت حتى في صفوف القوى السيادية التي كانت على تواصل للتوافق على اسم أو على الأقل للتنسيق في توحيد الموقف في الجلسة، لكن بدا أن النواب التغييريين يغردون خارج السرب اذ اقترع عدد منهم لسليم إده فيما صوّتت كتل "القوات" و"الكتائب" و"اللقاء الديموقراطي" وعدد من المستقلين وآخرون للنائب ميشال معوض، بينما صوّتت قوى الموالاة بورقة بيضاء لأنها هي أيضاً ليس لديها مرشح موحد، كما أنها لم تصوّت لسليمان فرنجية تفادياً لاحراجه بسبب حصوله على عدد قليل من الأصوات، كما قال أحد المراقبين. كل الاستعدادات اللوجستية كانت جاهزة الا أن الاستعدادات التوافقية كانت الغائب الأبرز فيما الأوراق البيض الحاضر الأكبر بحيث جاءت النتيجة على الشكل التالي: ورقة بيضاء: 63، ميشال معوّض: 36، سليم إده: 11، لبنان: 10، نهج رشيد كرامي: 1، مهسا أميني: 1.

اذاً، انتهت مرحلة التصويت من الدورة الأولى من دون إنتخاب رئيس جديد، ورفع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الجلسة بعد فقدان النصاب من دون تعيين موعد جديد للجلسة المقبلة. وكان لافتاً انطلاق عملية الفرز بورقة تصوّت للبنان على أمل ان يتفق النواب في ما بينهم من أجل لبنان أولاً وأخيراً لأن التكتلات المتعددة والمشتتة ستكون الدافع الأكبر نحو الشغور الرئاسي المتوقع. ولعل ما قاله الرئيس بري في ختام الجلسة بأنه "ان لم يحصل أي توافق لا يمكننا أن ننتخب لا رئيس ولا مجلس نيابي ولا لبنان، وفي المرة المقبلة حين أشعر أنه يمكن أن يحصل توافق، سأدعو فوراً الى جلسة ثانية"، دليل على أن الدعوة الى جلسة مقبلة ستتأجل الى أجل بعيد في حال استمر المشهد النيابي على ما هو عليه. وهنا سأل النائب نديم الجميّل عن موعد الجلسة المقبلة، فجاء ردّ الرئيس بري: "ما بيخلوك تحكي بالكتائب بتجي بتحكي هون؟". وبعد أنّ أعلن النائب وليد البعريني، أنّ التصويت في جلسة إنتخاب رئيس للجمهورية سيكون عبر اسم جديد، تبيّن مع بدء فرز الأصوات برزو إسم "لبنان"، وبذلك يكون المرشّح الرئاسي لتكتّل "الاعتدال الوطني" وعدد من النواب السنة هو لبنان.

الجلسة التي انطلقت بعد تلاوة المواد الدستورية، وتوزيع الأوراق والمغلفات على النواب لبدء عملية التصويت عبر مناداتهم الى الصندوق لاسقاط أوراقهم فيه، تغيب عنها النواب: فؤاد مخزومي، نعمت افرام، ابراهيم منيمنة، نجاة عون صليبا، سليم الصايغ وستريدا جعجع، لكنها لم تخلُ من بعض الهفوات والنهفات، إذ سأل نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب الرئيس بري: "هل من الضروري أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً وفق القوانين التي تلاها الأمين العام لمجلس النواب في بداية إنطلاق الجلسة الأولى لإنتخاب رئيس للجمهورية؟". فرد عليه بري: "هذا عرف وشكلك طمعان فيها". أما النائب فريد الخازن، فسأل عن سبب غياب الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، فأجاب بري: "أنا قلتلو مش ضروري تشرف". وبعد أن سادت الفوضى أثناء توزيع الأوراق للبدء بانتخاب رئيس، توجه بري إلى النواب، قائلاً: "شو قاعدين بقهوة؟". كما لوحظت دردشة استمرت لبضع دقائق جمعت "على الواقف" النائب جورج عدوان والنواب ابراهيم كنعان وسيزار ابي خليل وجورج عطا الله بالاضافة الى سماع عدوان ينادي النائب ميشال معوض president، فعلّق النائب هادي أبو الحسن ممازحاً: "إيه خلّيه يعيشها". وبالتزامن مع الجلسة، ظهر ميلاد أبو ملهب الرجل المعروف دائماً بتصرفاته الغربية داخل مجلس النواب، في مشهد ليس بجديد، وكان أعلن ترشّحه للانتخابات النيابية 2022.

من حيث الشكل، لا جدية ولا مسؤولية في التعاطي مع أهم الجلسات النيابية بحيث أن نواب المعارضة أكدوا ضرورة الاسراع في التوافق على اسم لأن الفرصة ذهبية اذا ضاعت فليتحمل كل نائب مسؤولية شعب أعطاه ثقته لاخراجه من وضعه الراهن. أما من حيث المضمون، فرأى أحد المحللين السياسيين أنه يمكن الخروج بثلاث خلاصات من الجلسة الأولى لانتخاب رئيس للجمهورية: أولاً، التبدل النوعي الذي حصل ما بين 2016 و2022 على مستوى الأكثرية التي كانت بقيادة "حزب الله" وتمكن من خلالها أن يفرض مشيئته على من معه وحتى على خصومه السياسيين. هذه المرة انتقل "حزب الله" من موقع الفرض الى موقع الرفض بحيث أنه قادر اليوم على تعطيل وصول رئيس جمهورية من الفريق الآخر الذي يخاصمه، وهذا ما فعله عملياً من خلال الاوراق البيض الـ 63. هذه الخلاصة تعني أن هناك فرصة جديدة متاحة أمام الاكثرية المتماوجة وغير المستقرة التي نتجت عن الانتخابات الأخيرة في حال تلاقت اراداتها وحسمت تنسيقها أن تأتي برئيس جمهورية من صفوفها أو ممن ترى فيه تجسيداً لتطلعات أطرافها وأطيافها. ثانياً، المجموعة التي صوّتت بالورقة البيضاء (63 صوتاً) لا تشكل مجموعة متماسكة وقادرة على استقطاب عدد آخر لجمع الأكثرية المطلقة، لأنها تشكل خليطاً متضارباً في داخلها مؤلفاً من مجموعات وكتل ونواب مستقلين لا تجمعهم قاعدة ثابتة وليست لديهم أهداف موحدة. وفي أي حال، هذه النتيجة حتى لو كانت متماسكة فعلاً بقيادة "حزب الله" لا تشكل أكثرية موصوفة يمكن أن تنتخب رئيساً جديداً للجمهورية لأنها في أفضل حالاتها لا تصل الى الأكثرية المطلقة. الخلاصة الثالثة، أن الرقم 36 الذي حصل عليه النائب ميشال معوض ليس رقماً نهائياً أو مقفلاً لأنه مفتوح عملياً على مجموعات أخرى يمكن أن تتلاقى بعد جهد تنسيقي كاف، وتشكل على الأقل أكثرية الـ 65 صوتاً في الحد الأدنى اذا سلمنا جدلاً أن فريق "حزب الله" قادر فعلاً على الامساك بالنواب الـ 63 الذين صوّتوا بورقة بيضاء. لذلك، فإن هذا الرقم يشكل حافزاً كافياً لجمع جهود كل قوى المعارضة التي غاب بعضها وذهب بعضها الآخر الى التفرد باختيار اسم آخر (سليم إده) أو المجموعة التي اقترعت تحت اسم "لبنان"، وهي مجموعة سنية تمايزت، وبتشجيع ورعاية من دار الفتوى مخولة للانضمام الى الأكثرية التي لم تثبت تماسكها بعد. لذلك، فإن الجلسة المقبلة ستسبقها محاولات حثيثة وعمليات اقناع وجمع وحث على تكوين الأكثرية الموعودة. لكن هناك ملاحظة يجدر التوقف عندها تتمثل في موقف ما يعرف بالنواب التغييريين الذين صوّتوا لمصلحة سليم إده، بحجة رفض الاصطفاف السياسي. وهنا نسأل: عن أي اصطفاف يتحدثون، ويجعلونه شعاراً يتمسكون به ويطرحونه كحل بحجة الوصول الى رئيس غير محسوب على أي جهة أو مصطف مع أي فريق؟ لا أرى فارقاً على المستوى السياسي والوطني العام بين سليم إده وميشال معوض اذا أخذنا في الاعتبار الأهداف الوطنية العليا أي السيادة والاستقلال وبناء الدولة ورفض السلاحين وضبط الحدود واعادة لبنان الى سياقه العربي والدولي وخطة النهوض الاصلاحي. لا فارق وتمايز جوهرياً وعميقاً بين الأسماء التي تم تداولها وتناهز الـ 7 أسماء في أوساط المعارضة، ومنها: صلاح حنين وناصيف حتي وزياد بارود ونعمت افرام وقائد الجيش ربما في مرحلة لاحقة لأن تعديل الدستور غير وارد حالياً، مع الأسماء الأخرى التي تطرحها بقية قوى المعارضة. اذاً، منطق الفريق التغييري ليس منطقاً ثابتاً ومقنعاً بحجة القول بالاصطفاف. على هذا المستوى، يمكن العمل في الأيام المقبلة أي قبل الدعوة الى جلسة أخرى، على مسار إقناع التغييريين بأن ما يطرحونه في رفض الاصطفاف السياسي ليس واقعياً ولا عملياً. ويمكن أن يذهبوا الى مرونة سياسية أكبر، ولا يمكن أن يكون مقبولاً طرحهم اسماً معيناً، ويقولون لقوى المعارضة الأخرى هذه هي الأسماء التي نريدها، وعليكم القبول بها والا أنتم متهمون بالاصطفاف. العبرة من جلسة الأمس، أن هناك جهة يقودها "حزب الله" قادرة على التعطيل من خلال اسقاط النصاب كما فعلت بالأمس، وهذا السلاح خطير يعني أن هذا الفريق يفضل الذهاب نحو الفراغ أو الشغور الرئاسي كما فعل على مدى سنتين ونصف السنة بين العامين 2014 و2016 الى أن تمكن من فرض مرشحه آنذاك أي الرئيس ميشال عون. هذا المشهد السياسي ينبئ بأن الفريق الذي كان يفرض الرئيس الذي يريد تحول اليوم الى فريق يرفض الرئيس الذي لا يريده، وهذه مسألة مفتوحة على الشغور. وهنا ربما في هذا المأزق تلعب القوى الخارجية دوراً ما في الضغط وفي اقناع المعطلين بتسهيل الأمور والاحتكام الى اللعبة الديموقراطية بحيث يتم اختيار الرئيس الذي ينال النصف زائداً واحداً أو أكثر. وهنا نسأل: ماذا يعني الحزب ومن معه بعبارة رئيس توافقي أو التوافق على اسم رئيس الجمهورية؟ المعارضة طرحت الأسماء، فهل يوافق الحزب وفريقه على اسم منها؟ واذا كان يعتبر أن ميشال معوض صدامي أو مرشح تحد، فهل يعتبر الآخرين مرشحي تحد مثل صلاح حنين وسليم اده وزياد بارود ونعمت افرام؟ نظرياً التوافق هو شعار حق يراد به باطل لأن "حزب الله" لن يقبل بأي اسم من هذه الأسماء المطروحة. أما الذهاب الى اسم ما من خارج هذه الأسماء، فيعني أن المسألة تخفي خطة مبيتة وخبيثة بمعنى أنه تحت اسم مرشح توافقي يكون مرشح الحزب بامتياز لكن بصورة غير علنية. نظرية الرئيس التوافقي تحمل في طياتها ألغاماً وموقفاً سياسياً مفخخاً ربما يؤدي الى اعادة انتاج السلطة القائمة بطريقة أو بأخرى تحت مسمى الرئيس التوافقي. من جهة ثانية، ربما سيسعى الرئيس بري شخصياً في الفترة الفاصلة عن الجلسة الثانية الى بلورة اسم يعتبره توافقياً، ويطرح الأمر في الاجتماعات المغلقة، وبالتالي، يلعب دور التوفيق وجمع المتناقضات حول اسم أو اسمين لكن يجب الأخذ بموقف شريكيه الآخرين. اذاً، المسألة ليست مرتبطة بإرادة الرئيس بري فقط ، وحين يقول أترك لكم خيار التوافق ثم أدعو الى جلسة، فهذا عنوان عام وغائم. اذ كيف يتم التوافق بين طرفين متناقضين كلياً كـ"حزب الله" و"القوات" على اسم واحد؟ هذه مسألة غير واقعية، والدعوة الى رئيس توافقي غير واقعية. المطروح الممكن أو العلاج الممكن لهذا المأزق بتماسك فريق المعارضة خلف اسم ثم يأتي دور دولي خارجي وأممي لخلق مناخات سياسية واقليمية ودولية تفرض على المقاطعين والمعطلين تسهيل الانتخاب.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us