السعودية تعود إلى سوريا من بوابة الاستثمار والسيادة

ماهر الحمدان

خمسة أشهر كانت كفيلة بقلب صفحة كاملة من تاريخ الشرق الأوسط. الصورة التي التُقطت في الجامع الأموي بدمشق، لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وهو يؤمّ المصلين، كانت أكثر من مجرد مشهد رمزي. لقد كانت إعلاناً رسمياً عن لحظة تحوّل: لحظة انتهاء مرحلة العزلة والخصومة، وبدء مرحلة جديدة من الشراكة السياسية والاقتصادية بين الرياض ودمشق، على قاعدة مصالح متبادلة، وتحولات إقليمية عميقة.

ولم تكن زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى العاصمة السورية عابرة ولا بروتوكولية، بل جاءت هذه المرة تتويجاً للسياسة السعودية لاحتضان العرب وإرساءً لمشروعها الاقليمي في استقرار المنطقة ونهضتها، وضمن لحظة فارقة تعيشها سوريا منذ سقوط النظام البائد في كانون الأول 2024، وتسلّم الرئيس أحمد الشرع مقاليد السلطة، بعد سنوات من الثورة.

رافق الأمير وفد سعودي رفيع المستوى ضمّ: المستشار في الديوان الملكي محمد بن مزيد التويجري، نائب وزير المالية عبد المحسن بن سعد الخلف، مساعد وزير الاستثمار عبد الله بن علي الدبيخي، وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية والتنموية عبد الله بن فهد بن زرعة، بالاضافة إلى مسؤولين في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتمويل.

وخلف الأبواب المغلقة، عُقد اجتماع موسّع بين الرئيس الشرع والوفد السعودي، وُصف بأنه أول نقاش اقتصادي – سيادي حقيقي بين السعودية وسوريا منذ أكثر من عقد.

بيئة استثمارية جديدة.. وشروط سيادية واضحة

وفي جلسة مجلس الوزراء، قال الرئيس الشرع إن “سوريا لم تعد بحاجة إلى بناء ثقة، بل إلى بناء اقتصاد حقيقي”، مشيراً إلى أن بلاده أمام “فرصة تاريخية لجذب استثمارات أجنبية ضخمة في قطاعات حيوية: الطاقة، السياحة، الصناعة، السكك الحديدية، والمناطق الحرة”.

وأضاف الشرع: “نحن بصدد إصدار قانون استثمار جديد سيحمل حوافز واسعة، ويضمن حرية حركة الأموال، ويشمل إصلاحات في أنظمة المدفوعات، بما فيها دخول العملة الرقمية والالكترونية كخطوة أساسية نحو المستقبل”. كما دعا إلى تحديث أساليب العمل الحكومي، ومكافحة الفساد، وترشيد النفقات، لتحقيق بيئة آمنة وعصرية للمستثمرين الخليجيين والدوليين.

دعم سعودي – قطري للقطاع العام السوري

وفي خطوة رمزية عملية تعكس التوجه الجديد، أعلنت المملكة العربية السعودية ودولة قطر عن تقديم دعم مالي مشترك للعاملين في القطاع العام السوري لمدة ثلاثة أشهر، في بيان رسمي جاء فيه: “حرصاً على دعم استقرار الجمهورية العربية السورية، وتخفيف المعاناة الانسانية، تعلن المملكة ودولة قطر عن دعم مالي مباشر للعاملين في القطاع العام، في إطار التزامهما بالتنمية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في سوريا، وتأكيداً على الروابط الأخوية بين شعوب الدول الثلاث”.

لكن خلف هذا الدعم المؤقت، تقرأ مصادر ديبلوماسية رسالة أكثر عمقاً: الخليج لن يمول فقط، بل يشارك في إعادة هيكلة سوريا اقتصادياً على قاعدة الحوكمة والتنمية المستدامة.

تحالف استراتيجي لا معونات عابرة

في هذا السياق، شدد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أن بلاده لا تسعى إلى المعونات كحل مؤقت، بل إلى تحالفات استراتيجية مستدامة، قائلاً: “لا نريد أن نعتمد على المساعدات. نريد أن نبني مع المملكة تحالفاً اقتصادياً استراتيجياً يقوم على المصالح المشتركة، ويعيد لسوريا سيادتها الاقتصادية والسياسية”. وأكد أن الرؤية الجديدة لسوريا تقوم على الخروج من منطق الاتكال إلى منطق الشراكة والسيادة.

وجاءت رسائل وزير الخارجية السعودي لتلاقي هذا التوجه السوري وتدعمه، وصرّح بأن “ولي العهد وجّه بتقديم أشكال الدعم والإسناد كافة لسوريا”، وأضاف: “سنتعاون مع قطر لتقديم دعم مالي للقطاع العام السوري”، مشدداً على أن “المملكة مهتمة بالاستثمار في سوريا في مجالات الطاقة، الزراعة، والصناعة”. كما أشار إلى أن “فرحة السوريين صاحبتها فرحة موازية عند السعوديين”، معتبراً أن “هذه وقفة الأخ لأخيه، ونريد لسوريا أن تكون مستقرة، مزدهرة، وسيدة قرارها”.

وفي سابقة ديبلوماسية ذات دلالة روحية، أمّ الأمير فيصل المصلين في الجامع الأموي، في مشهد قرأته دمشق كـ”بيان نوايا روحي قبل أن يكون سياسياً”.

وفي هذا السياق، علّق بسام بربندي، الديبلوماسي السوري السابق في سفارة سوريا بالولايات المتحدة الأميركية، قائلاً: “جوهرة دمشق هي جامع الأموي. عندما يؤم وزير خارجية السعودية المصلين في جامع الأموي، وهو حدث تاريخي لم يُعطَ لأحد من قبل، يعني بكل بساطة عودة دمشق إلى عالمها السني العربي الطبيعي، واعترافها بفضل المملكة على كل ما يجري الآن من انفتاح دولي على سوريا الجديدة بكل مكوناتها وأطيافها.”

“السعودية تمثلنا في الرؤية والمصير”

وقال مصدر حكومي سوري رفيع، في حديث لموقع “لبنان الكبير”: “السعودية تمثل رمزية كبيرة بالنسبة الينا كسوريين، نتشارك تاريخاً ورؤى ومصالح مشتركة. نكنّ الاحترام الكبير لرؤية الأمير محمد بن سلمان، ونريد الافادة من تجربة النهضة السعودية في مشروع بناء الدولة السورية”.

كما صرّح أرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، لموقع “لبنان الكبير”، بأن “السعودية امتداد للسوريين. انتهى زمن الهيمنة الايرانية، وما قامت به الرياض من ماراثون سياسي لرفع العقوبات عن سوريا لن يُمحى من ذاكرة الشعب السوري. نرحب بأي بوادر استثمار سعودي، بل نعطي الأولوية لمن يمثلنا فكرياً ورؤيوياً”.

ما بعد الزيارة: خريطة جديدة وتحالفات جديدة

وبناءً على هذه الدينامية، كشفت مصادر مطلعة لـ “لبنان الكبير” أن وفوداً سعودية متخصصة في مجالات الطاقة والتطوير العمراني والرقمنة ستتوافد إلى دمشق خلال الأسابيع المقبلة، لتأسيس مشروعات شراكة مبكرة، في إطار ما يُوصف داخل المملكة بـ”نموذج سوريا الجديد”.

بهذا، تُعيد الرياض رسم دورها في الشام عبر أدوات مختلفة: الاستثمار بدل التدخل، السيادة بدل التبعية، والتنمية بدل المساعدات المشروطة سياسياً.

وما كان قبل أشهر محض صورة بروتوكولية، أصبح اليوم نقطة انعطاف حقيقية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. سوريا، التي كانت غارقة في العقوبات والارتهانات الخارجية، تستعيد تدريجياً أدواتها السيادية، بدعم من لاعب خليجي يُعيد التموضع بهدوء وذكاء.

السؤال الأهم: هل تستطيع دمشق أن تلتقط اللحظة وتحوّلها إلى مشروع دولة؟ السعودية وضعت يدها على الطاولة، ودمشق مدّت يدها. ولكن، كما في كل تحالف استراتيجي، النية وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى إرادة مؤسسية، وعين مفتوحة على المستقبل.

شارك المقال