لم يكن تصعيد إسرائيل في السويداء مجرّد ردّ على اشتباكات محلية، بل خطوة مدروسة ضمن استراتيجية أوسع هدفها تقويض أي محاولة لإعادة لملمة الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع إلى الرئاسة. فمنذ اللحظة الأولى، تعاملت تل أبيب مع أي مؤشرات على التعافي السوري كتهديد مباشر لأمنها القومي، خصوصاً إذا نبع هذا التعافي من منطقة الجنوب ذات الخصوصية الطائفية والجغرافية.
في السويداء، اختارت إسرائيل البوابة الأخطر: محاولة تجيير الدروز لصالحها، كما فعلت في لبنان أيام الحرب الأهلية. ومع تكرار سيناريو “نحن نحمي الأقليات”، أرسلت تل أبيب رسائل عبر الطائرات والصواريخ، مستهدفة مبنى وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، في محاولة لصناعة فوضى مُبرمجة داخل سوريا. لكنّ الفخ لم يلقَ رواجاً، على الأقل لدى زعيم درزي خبر هذه اللعبة جيداً، اسمه وليد جنبلاط.
جنبلاط، الذي عاش تجربة الحرب الأهلية، وراقب عن كثب كيف استُدرجت طوائف بأكملها إلى أحضان إسرائيل تحت شعار “الحماية”، كان الأكثر وعياً لخطورة هذا الطرح المسموم. وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، أكدت أوساط اشتراكية أنّ الزعيم الدرزي يرفض بصورة قاطعة أي محاولة للفصل بين الدروز والدولة السورية، ويرى أن أي خطاب انفصالي أو تدويل للمسألة الدرزية في الجبل يصبّ مباشرة في مصلحة إسرائيل.
وقال جنبلاط صراحة في عدة تصريحات متتالية إنّ “إسرائيل لا تحمي الدروز في السويداء، بل تستخدم بعضاً من ضعفاء العقول للقول إنها تحميهم”، مضيفاً أنّ “ما يحصل اليوم شبيه بما جرى في لبنان، حين ادّعت إسرائيل حمايتها لفئات لبنانية، فانتهى الأمر بكوارث الحرب”. وطالب بحل سياسي شامل برعاية الدولة السورية، على أن يبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار، وتسليم السلاح الثقيل للفصائل، ودمجها في مؤسسات الدولة، عبر خطة واضحة تضمن أمن السويداء ضمن السيادة الوطنية لا تحت راية أجنبية.
وبينما كانت طائرات الاحتلال تزرع الموت في دمشق، كانت بيروت منهمكة في مشهد داخلي مختلف: جلسات مساءلة الحكومة التي طُرحت فيها الثقة برئيسها نواف سلام بناء على طلب جبران باسيل. وعلى الرغم من الضجيج السياسي والاعلامي، انتهت الجلسات بتجديد الثقة بالحكومة، في ما وصفته أوساط حكومية لـ”لبنان الكبير” بأنه “تثبيت للخيار الوطني والإجماعي”، مشيرة إلى أن الرئيس سلام “مرتاح جداً لمسار الجلسات، ولنتيجتها السياسية، حتى وإن رافقتها مناكفات موسمية”.
واعتبرت الأوساط أن باسيل يحاول تكرار سيناريو “المعارضة الشعبوية” عبر الاعلام، مستنداً إلى تراكماته الشخصية مع سلام، لا إلى معطيات فعلية، وهو يدرك تماماً أن لا غطاء سياسي حقيقي لتحركه، لا في الداخل ولا في الخارج. وأكدت مصادر مواكبة أن رئيس الحكومة لم يُفاجأ بمحاولة “استعراض الثقة”، بل استثمرها لتظهير تماسك حكومته وتثبيت المسار الاصلاحي الذي بدأه بالتعاون مع رئيس الجمهورية جوزاف عون.
لكنّ ما جمع بيروت ودمشق في الساعات الأخيرة هو الموقف من العدوان الاسرائيلي. فبينما كانت الجامعة العربية ومجلس التعاون يدينان “بلطجة إسرائيل”، خرج الرئيس عون بموقف صارم أدان فيه الغارات التي طالت العاصمة السورية، معتبراً أنها “انتهاك صارخ لسيادة دولة عربية شقيقة”. وجدّد دعوته الى المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته. في حين شدد رئيس الحكومة على أن “الاعتداءات الاسرائيلية تجاوزت كل الخطوط، ويجب وقفها فوراً”.
وفي هذا الاطار، علم “لبنان الكبير” أن اتصالات سياسية وأمنية لبنانية – سورية جرت خلال الساعات الماضية، شملت جهات رفيعة في بيروت ودمشق، للتنسيق بشأن ما وصفته المصادر بـ”المرحلة الحرجة”. ولفتت إلى أن هذه الاتصالات جاءت بمبادرة من جنبلاط نفسه، الذي نسّق عبر قنواته مع وزيري الداخلية والخارجية السوريين، ودفع باتجاه وقف التصعيد، مؤكداً أن بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة خطر على السويداء كما على كل سوريا.
في المقابل، بقي وئام وهاب يغرّد خارج السرب، داعياً إلى “ثورة درزية مسلّحة”، في موقف وصفته أوساط سياسية بأنه “خطير ومتهور”، كونه يتقاطع بوضوح مع الطرح الاسرائيلي القائل بتسليح الأقليات في مواجهة الدولة. وقد حذّرت أوساط درزية في حديث لـ”لبنان الكبير” من أن “الخطاب التحريضي لبعض الزعامات اللبنانية، تحت عنوان الدفاع عن السويداء، يخدم عملياً مشروع التقسيم، ويصنع بيئة مناسبة للتدخلات الخارجية”.
أما على الأرض، فقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في السويداء، برعاية الحكومة السورية ووجهاء الطائفة الدرزية، مع بنود واضحة تتضمن تسليم السلاح، نشر قوات من الشرطة المحلية، احترام الممتلكات، وتشكيل لجان تقصّي ومصالحة. وهو اتفاق، على الرغم من هشاشته، يشكّل محطة مهمة لإعادة إدماج السويداء في الدولة السورية، وتحصين الجبل من الانجرار إلى مخطط التقسيم.
وفي النهاية، إذا كانت إسرائيل قد حاولت أن تُعيد إنتاج تجربتها في لبنان عبر مسرح السويداء، فإن وليد جنبلاط اختار أن يكتب فصلاً مختلفاً، عنوانه: “الدروز ليسوا جسراً لعبور الفوضى، بل ركيزة للاستقرار، حين يكون سقفهم الدولة، لا الطائرات التي تقصفها”.


