لم يعد لبنان الرسمي يطالب بالكثير. ففي هذه المرحلة الدقيقة، تقتصر مطالبه على عنصرٍ واحد أساسي: سحب السلاح غير الشرعي، وتحديدًا سلاح “حزب الله”، من الداخل اللبناني، وفي أسرع وقت ممكن. ولعل جلسة “سحب السلاح” المنتظرة تمثّل، بوضوح، ما تريده الأكثرية الساحقة من الشرعية اللبنانية، في مقابل “ثنائي شيعي” يحاول كسب الوقت والمناورة لتفادي إستحقاق داهم، باتت معالمه تقترب أكثر من أي وقت مضى.
ففي الساعات الأخيرة، حاول “الثنائي” ضخ معلومات مفادها تأجيل الجلسة إلى يوم الخميس المقبل، لكن مصادر مطلعة من “السراي الحكومي” نفت هذه الأنباء لموقع “لبنان الكبير”، مؤكدة أن الجلسة ستُعقد في موعدها المقرّر، بلا أي تعديل.
ولم تقف محاولات العرقلة هنا، إذ بدأت تتضح ملامح مناورة يقودها “حزب الله” لتأجيل أو حتى تطيير الجلسة إلى أجل غير مسمى. ففي خطوة لافتة، نشر الإعلام الحربي للحزب مقطعًا صوتيًا لأمينه العام السابق السيد حسن نصرالله، يستعيد فيه خطابًا سابقًا يؤكد فيه أن نزع سلاح “المقاومة” هدف إسرائيلي مُعلن، وإن الحزب منفتح على نقاش أي استراتيجية دفاعية وطنية.
هذا الفيديو، الذي لاقى تفاعلاً واسعًا، أعاد إلى الواجهة الخطاب القديم ذاته، متناسيًا الكلفة الباهظة التي تكبّدها لبنان جراء حرب “الإسناد” الأخيرة، وما خلّفته من دمار وتهجير ومآسٍ، وصولاً إلى اغتيال قيادات الصف الأول في “الحزب”، وعلى رأسهم نصرالله نفسه. فهل يعقل أن يُختصر كل هذا الألم، بهذه السهولة، وكأن شيئًا لم يكن؟. رسالة “الحزب”، وعلى الرغم من طابعها المبطّن، تحمل دلالات واضحة. إذ يُراد منها توجيه إشارات محدّدة قبيل الجلسة، ومحاولة التأثير على مسارها. فصحيح أن غالبية الوزراء، باستثناء “الثنائي”، تدفع نحو تحديد جدول زمني واضح لبدء وإنتهاء عملية تسليم السلاح، غير أن هذا الملف لا يزال موضع خلاف كبير بين القوى.
وعلى عكس ما يُشاع عن أجواء إيجابية تحيط بالجلسة، تكمن المعضلة الحقيقية في إصرار “حزب الله” على رفض أي جدول زمني مُلزم. وقد عبّر عن ذلك النائب علي فياض، بقوله من الرابيه إن “لبنان التزم بما نصّ عليه الاتفاق، والمطالب الحالية تتجاوز هذا الاتفاق”، في إشارة إلى ما يراه “الحزب” سقفًا تفاوضيًا مرفوضًا. بعض المراقبين رأوا في موقف “حزب الله” تعبيرًا عن قلق وجودي من نزع سلاحه، وهو ما يفسّر تعدّد الحجج لتأخير هذه الخطوة الحاسمة.
ومع احتدام الخلافات السياسية، تتجه الأنظار إلى “جلسة سحب السلاح” المرتقبة غدًا، والتي يُتوقع أن تكون مفصلية، وقد تحدّد مستقبل العلاقة بين الدولة والسلاح غير الشرعي. والمنتظر، في جوهره، يتمحور حول إجابة واحدة: هل ستردّ الدولة اللبنانية على السؤال الأميركي المطروح بوضوح، “متى يحين موعد سحب السلاح غير الشرعي، جملةً وتفصيلاً؟”، أي أن يكون هناك جدول زمني واضح ومُلزم لهذه العملية؟ وبحسب المعطيات المتوفرة لـ”لبنان الكبير”، إن هذا السؤال يُعدّ نجم ورقة الموفد الأميركي، توماس باراك، التي وصلت إلى بيروت خلال الساعات الماضية.
وأفادت مصادر وزارية مطلعة لـ”لبنان الكبير” بان “ورقة باراك” لم تُوزّع بعد على الوزراء، ولا يُعرف ما إذا كانوا سيطّلعون عليها قبل الجلسة، لكن الواضح أن الجانب الأميركي واضح من ناحية إقرار الجدول الزمني المطلوب، والقيام بخطوة مقابل خطوة، بشكل عملي قابل للتنفيذ. وهذا تؤيد أكثرية الوزراء هذا التوجّه، بما يضمن تنفيذ سحب السلاح، وتطبيق الدستور، واتفاق الطائف، إلى جانب الالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة، وتحديدًا القرارين 1701 و1559، وصولًا إلى تنفيذ اتفاق وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، الذي سبق أن وقّعت عليه الحكومة السابقة.
وأشارت المصادر نفسها إلى أنه لا توجد معطيات تؤكد أن ورقة باراك غير قابلة للنقاش، كما تم الترويج لذلك في بعض الأوساط.
ورغم كثافة الاتصالات الجارية بين المسؤولين للوصول إلى صيغة واضحة قبل الساعة الثالثة، موعد انطلاق الجلسة المنتظرة، علم “لبنان الكبير” أن وزراء حزب “القوات اللبنانية” الأربعة عقدوا اجتماعًا خاصًا لبحث ملف سحب السلاح. وبالتالي من الواضح أن توّجه “القوات” مقتصراً على تحديد جدول زمني من تاريخ بدء سحب السلاح الى تاريخ الإنتهاء منه، وعندما يجري الإتفاق حول تكليف الجيش اللبناني او المجلس الأعلى للدفاع بوضع آلية تنفيذية لسحب السلاح، يجب إعادة الاجتماع مع الجهة المخوّلة بعد فترة لا تتعدّى الأسبوعين من أجل تقديم آلية واضحة لبدء مسار سحب السلاح.
ولا تقتصر هذه المشاورات على وزراء “القوات اللبنانية”، بل تشمل أيضًا ممثلي “الكتائب اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي”، في إطار تنسيق سياسي متواصل. وفي هذا السياق، وصف رئيس حزب “الكتائب”، النائب سامي الجميّل، الجلسة المنتظرة بأنها “جلسة تاريخية”، مشددًا على أن المطلوب اليوم هو اتخاذ قرار حاسم بحصر السلاح في يد الدولة، لا بهدف إرضاء الخارج.
فهل ستُقرّش هذه الجلسة وتبدأ رحلة التعافي الداخلية ونشهد غد جديد للبنان في دولة يحكمها القانون والدستور والعدل؟ أم أن همروجة السلاح وسياسية الإستقواء على الآخر ستبقى المهيمنة؟


