شهداء الجيش اللبناني إلى مثواهم الأخير بعد ارتقائهم على مذبح الوطن وعلى أرض الجنوب التي تحمّلت الحروب والويلات. لكن المصاب الأليم في هذا التوقيت الحساس وطنيًا وعسكريًا، أعاد تسليط الضوء على دور الجيش وأهمّية وجوده ومساندته في أيّ أزمة، وهذا ما يوضحه الدّعم الذي تلقّته المؤسسة محلّيًا وحتّى عربيًا ودوليًا، وكان آخره من العاهل الأردنيّ الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الذي اتصل برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وقدّم تعازيه باستشهاد العسكريين، وأبلغه عن وقوف الأردن إلى جانب لبنان وجيشه، مبديًا استعداد بلاده “تأمين الدّعم اللازم للجيش اللبناني في هذه الفترة الدقيقة لتمكينه من القيام بدوره في حفظ استقرار لبنان وسيادته وسلامة أراضيه”، أمّا الرّئيس عون، فشكر العاهل الأردني على تعازيه والدّعم الذي يقدمه الأردن للبنان عمومًا وللجيش خصوصًا.
وبالعودة إلى التشييع، انضمّ ستة شهداء إلى “قافلة” شهداء المؤسسة العسكرية التي تُقدّم تضحياتها منذ 80 عامًا إلى هذه البلاد التي رُويت بالدم فداءً لسيادتها التي تُحاول اليوم، نفض غبار “اللاشرعية” عنها، ولكن على ما يبدو، أنّ خطوة “التحرّر من السلاح”، لن تكون سهلة، وانقلبت، بكلّ أسف، عند أوّل إجراء عسكريّ، إلى بصمةٍ دامية أصابت عناصر الجيش من الشمال، مرورًا ببيروت، البقاع ووصولًا إلى الجنوب.
ومن منطقة زبقين الجنوبية حيث انفجر مخزن الأسلحة التابع لحزب الله بالعناصر، نُقلت الجثامين إلى المستشفى العسكريّ في بدارو، وفي بيانٍ لقيادة الجيش، أعلنت تشييع خمسة من شهدائها، وهم: المؤهل الأوّل عبّاس فوزي سلهب، المجنّد محمّد علي شقير، المجنّد إبراهيم خليل مصطفى، المجنّد أحمد فادي فاضل، المجنّد يامن الحلاق، في بلدات: رياق – زحلة، الغبيري – بعبدا، مجدلون – بعلبك، دبعال – صور، وجه الحجر – حمص (سوريا). وقد استُهل تشييعهم بتشريفات أدّتها ثلّة من الشرطة العسكرية وموسيقى الجيش، مع تقليدهم أوسمة الحرب والجرحى والتقدير العسكري من الدرجة البرونزية، وبعد نقلهم إلى بلداتهم، أُقيم التأبين بحضور ممثل وزير الدّفاع الوطني اللواء ميشال منسّى وقائد الجيش بالنّيابة اللواء الركن حسان عوده، وألقيا كلمات تُؤكّد أنّ “الجيش مستمرّ في تنفيذ مهمّاته رغم التضحيات الجسام”.
أمّا وزير الدّفاع عادل نصّار، فقدّم التعازي في ثكنة الجيش في البياضة، لقائد اللّواء الخامس العميد الرّكن ميشال بردويل، وشدّد على أنّ “الجيش بدوره الوطني والمحوري، ركيزة أساسيّة لبناء الدّولة، وأنّ دماء الشّهداء ستبقى أمانةً في أعناقنا وعنوانًا للفداء والتضحية لبقاء الوطن”.
وعلى وقع لحن الموت، يُصرّ بعض قيادات “حزب الله” تجديد موقف الأخير من قرار الحكومة القاضي بحصر السلاح بيدّ الجيش اللبناني الذي ذهب ضحيته منذ ساعات، وخرج النّائب حسين جشي خلال تشييع أحد شهدائهم في بلدة شقرا الجنوبية، ليقول: “إنّ قراركم غير ميثاقيّ وبالتالي غير شرعي… وعليه فنحن لا نعترف به ونعتبره غير موجود”، وعوضًا عن تسجيل موقف يُوضح ما حصل في منشأتهم، اتّهم المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان حكومة “السقوط الوطني” كما أسماها، بأنّها تسبّبت بنزيف الجيش في وادي زبقين، قائلًا: لا للتراجع ولا للتسوية والسياسة إمّا تضع البلد في قلب الإستقرار أو في قلب الفوضى الفتاكة”.
ومن “جنون” الحرب إلى دعوة السلام، كانت لافتة الجولة التي أجراها البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، في بلدات الشريط الحدودي الجنوبي: رميش، عين إبل، القوزح ودبل، وهي الزيارة الأولى له بعد الحرب إلى هذه البلدات التي رحبت به واستقبلته بالتصفيق، الزغاريد ونثر الورود، مؤكّدًا أنّ “الحرب ضدّ كلّ البشر، ولا تجلب سوى الدمار والخراب والتهجير”.
ومع أنّ كلام الرّاعي يأتي مؤيّدًا للمحبّة والسلام، إلا أنّه يأتي مغايرًا للواقع السياسي والعسكري في لبنان اليوم، فعلى بُعد أمتار قريبة من البلدات التي زارها البطريرك، تتعرّض بلدات أُخرى لضربات عدوانية مستمرّة تضرب بالمبادئ الإنسانية عرض الحائط مع استمرار الهجمات وعدم توقّفها ما لم تتمكّن الدّولة اللبنانية من حصر السلاح فعليًا، وعليْه، وإلى حين انتهاء قيادة الجيش من وضع خطّتها لتنفيذ حصرية السلاح ميدانيًا، وهي بدأت بها، فإنّ مجلس الوزراء ووفق معطيات صحافية، سيُعلّق جلساته لمناقشة الخطّة والتشاور بتفاصيلها في ما بعد.


