من يُصغي إلى الكلمة التي خاطب بها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم اللبنانيين وذلك للمرّة الأولى منذ إقرار الحكومة نزع سلاح الحزب، يُدرك أنّ مفعول “الجرعة السحرية” التي قدّمها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني منذ يوميْن، قد بدأ فعليًا، حيث بدا على وجه قاسم الغضب والاستياء، وعلى نبرته السخط من الحكومة وقرارها “الذي يخدم المشروع الإسرائيلي”، فاستخدم أسلوب التهديد والوعيد ضدّ ثنائي: الحكومة (مباشرة)، وقيادة الجيش (بصورة غير مباشرة)، ولجأ إلى رفع السقف “لأعلى درجة”، ملوّحًا بمعركةٍ وفوضى داخلية حمّل مسؤوليتها “من ألفها إلى يائها” للحكومة، ووصفها بـ “الكربلائية” لمواجهة كلّ من يقترب من السلاح ويُهدّد وجوده.
“الفتنة الأهلية المفصومة” التي يُعلنها قاسم ويرفضها في الوقت نفسه، أيقظها الأمين العام من نومها بمصطلحاته العسكرية والطائفية “اللا مسؤولة”، وما كان استخدامه لكلمة “كربلائية” سوى محاولة لحشد المناصرين “الشيعة” المتخوّفين من إلغائهم بعد إضعاف الحزب عسكريًا، وهذا ما ذكره بصراحة عبر سؤاله: “هل يبقى لبنان أو يستقرّ إذا اعتدى بعض شركاء الوطن على بعضهم الآخر؟ إمّا أن يبقى لبنان ونبقى معًا، وإمّا على الدّنيا السلام”، فأراد من مصطلحاته تخويف و”بربعة” الدّاخل، أكثر من الجيش الإسرائيلي نفسه الذي لم يُواجهه قاسم بعد تدميره لبنى تحتية عسكرية للحزب، ورغب في إقناع ذاته أنّه قادر على الانتصار “وكبس” الحكومة على الرّغم من الانكسار، ويقصد الانتصار على الدّاخل بالقوّة.
“يستلذ” الحزب برفع السلاح كعادته ضدّ الشارع اللبناني من منطلق شدّ عصب “الثنائيّ الشيعي” ومناصريه، وعبر ضربه ثوابت الحكومة الوطنية واتهامها بأنّها تتلقّى وتُنفّذ أوامر خارجية، لا أميركية فحسب، بل إسرائيلية أيضًا، ليزعم بأنّها حكومة “العار” الوطنية. ولم يكتفِ باتهامها بالتآمر مع العدو ضدّ جناح الحزب العسكريّ، بل أوحى بأنّها ترغب في “توسيخ” ملف الجيش “ناصع البياض” قائلًا: “لا تزجّوا الجيش في هذا المسار وسجلّه الوطنيّ نظيف”، أيّ أنّه يتوجّه أيضًا بتهديد مبطّن إلى الجيش، كما استند للمرّة الثانية في تاريخه إلى الدّستور الذي لم يعرفه الحزب لأعوام، وبات يتحدّث اليوم عن “ميثاق العيش المشترك”، لكن السؤال المطروح يكمن في التناقض المستمرّ: كيف تتغنّى بالعيش المشترك وأنت تؤيّد الحرب التي ستُدمّر لبنان؟ ولماذا تقول للبنانيين، اسكتوا، اجلسوا جانبًا واتركونا، وتُقنعنهم في الوقت عيْنه، بأنّك “خرج” عيش مشترك؟
في المقابل، توالت ردود الفعل المعارضة لكلام قاسم، فوزير العدل عادل نصّار مثلًا، اعتبر أنّ تهديد البعض بتدمير لبنان دفاعًا عن سلاحه يضع حدًّا لمقولة: السلاح هو للدّفاع عن لبنان”، فيما أعرب الرّئيسان السابقان أمين الجميّل وميشال سليمان، ورؤساء الحكومات السابقون نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة وتمام سلام، عن قلقهم من موقف قاسم الذي “يُعقّد الأمور ويضع العقبات أمام استعادة الدّولة لسلطتها الكاملة وعودة لبنان إلى استقراره”، مؤكّدين دعمهم لموقف رئيس الحكومة، أمّا وزير الصناعة جو عيسى الخوري، فلفت إلى أنّ “الحرب ليست قرارًا فرديًا ولا يجب أن تتحوّل الميثاقية إلى أداة تعطيل أو ابتزاز سياسي”.
أمّا رئيس الحكومة نوّاف سلام، فكان “ثابتًا” على قرار السيادة، وردّ على قاسم، ورأى أنّ ما أدلى به الأخير، يُعدّ “محاولة تضليل”، مذكّرًا بأنّ تسليم السلاح لا يكون لإسرائيل بل للجيش اللبنانيّ وحده. ًوأوضح في حديثٍ صحافيّ أنّ اللبنانيين لا يُريدون حربًا أهلية، وأنّ الحكومة لبنانية وطنية، تأخذ قراراتها من خلال مجلس الوزراء، وهي ليست خاضعة لإملاءات، بل لمطالب اللبنانيين منها، وقال: “أنا أعرف من هو الخاضع لإملاءات، ومن الذي يستمع إليْها، ومن الذي اعتبر نفسه امتدادًا لأطراف خارجية، ولا أحد منّا في هذه الحكومة يعتبر نفسه امتدادًا لأيّ طرف خارجيّ”.
الرسالة التي خرجت من “فم” قاسم، انطلقت من “إملاءات” طهران لحزبه عبر لاريجاني الذي دسّ السمّ بعسل كلامه عن “دعم الشعب اللبناني في مختلف الظروف”، بينما يتضح في مضمونه دور إيران في التمسّك بإشعال ساحتها العسكرية التي باتت على “آخرها” في لبنان والعراق.
وفي ظلّ استمرار العدوانية الإسرائيلية على جنوب لبنان بسبب حربٍ لا تنطفئ، تعهّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال تفقّده موقع انفجار مخزن الأسلحة والذخائر في وادي زبقين جنوبًا، بمواصلة الجيش أداء واجبه “في ظلّ الاعتداءات المتكرّرة من جانب العدو الإسرائيلي، لأنّ صون الوطن مهمّة مقدّسة تهون في سبيلها التضحيات”.
الجيش اللبناني الذي يعيش تحدّيات تسبق لحظة إعلانه عن خطّته المرتقبة، يتلقّى دعمًا ومتابعة دولية خصوصًا من الولايات المتحدة الأميركية التي يترقّب العالم نتيجة مفاوضاتها في ألاسكا مع الرّئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب الأوكرانية- الروسية، وفي ظلّ انتظار المسؤولين اللبنانيين وصول الموفد الرئاسي الأميركي توم برّاك تُرافقه نظيرته السابقة مورغان أورتاغوس يوم الاثنين المقبل إلى البلاد، تلفت المعطيات الصحافية إلى أنّ لبنان سيُسجّل زيارة أُخرى مرتقبة للسيناتور الأميركيّ ليندسي غراهام والسيناتور جين شاهين.


