“السُحب السامّة” في طرابلس تفتح ملف الانتخابات النّيابية

إسراء ديب

ينتقد طرابلسيّون الحراك الانتخابيّ الذي تشهده مدينتهم خلال الفترة الأخيرة في ظلّ مواجهتهم بصورة يومية لأزمات مستمرّة وخطيرة لم يتمكّن أحد من إيجاد حلولٍ لها. وبينما يُتابعون عمليات “تزفيت” بعض الطرق تمهيدًا للاستحقاق القريب، فإنّهم يرصدون أيضًا حجم الحرائق (وتحديدًا حرق الإطارات) التي لا تتوقّف، وذلك على الرّغم من مناشدتهم المتكرّرة للقوى الموجودة في المدينة للتدخل في معالجتها.

وفي وقتٍ يُوجّه فيه البعض اتهاماته
لأصحاب البور وغيرهم من الشركات في المدينة بافتعال هذه الحرائق، تشهد المنطقة الممتدّة من الملولة إلى التبانة، تصاعدًا للدّخان الأسود الذي يُغطّي المناطق بطريقة مفتعلة وخانقة. أمّا الجهات الرّسمية والمعنية، فلم تقم بأيّ تحرّك لحلّ هذه المعضلة التي تحوّلت إلى مرضٍ مزمن يعجز الجميع عن علاجه أو حتّى مناقشته.

ويربط الطرابلسيّون بيْن قضية الانتخابات وأزمة الحرائق، وهو ما يُؤكّده البعض في حديثٍ لـ “لبنان الكبير”، وذلك لأنّهم يُلاحظون أنّهم يختنقون وحدهم، بينما تتعامل الجهات الرسمية مع هذا الملف تحديدًا، بصمت تام، خلافًا لتعاملها مع ملفات أُخرى، الأمر الذي يدفعهم إلى الاعتقاد بأنّ القوى الطرابلسية لا سيما السياسية منها، تستفيد من هذه الجريمة البيئية والإنسانية.

وقد عبّر الكثير من الطرابلسيين عبر صفحته الافتراضية قبل ساعات، عن خيبة أمله من الواقع المأساوي في المدينة، ونشر صورًا للحرائق كُتب عليها: “غيمة سرطانية فوق طرابلس”، مشيرًا بذلك إلى الأزمات التي يُواجهها الأهالي يوميًا، إضافة إلى مشكلاتهم الأُخرى مع الكلاب الشاردة وغيرها من الملفات العالقة والتي بات المواطنون يربطونها في المقام الأوّل بتقاعس المجلس البلديّ، وفي المقام الثاني بصمت سياسيي المدينة.

وُيقابل التخبّط الشعبيّ في المدينة، استعدادٌ سياسيّ مبكر للانتخابات النّيابية التي بدأت تظهر مؤشراتها منذ شهر تقريبًا، مع تنشيط الحركة السياسية وتعليق الصور واللافتات على بعض الطرق. ولا يُخفي المراقبون للأجواء السياسية شمالًا لـ “لبنان الكبير” أنّ الساحة السياسية هذا العام ستشهد منافسة حامية وشرسة بيْن السياسيين المعروفين في المدينة وآخرين جدد يطرحون أنفسهم منذ فترة على أهالي طرابلس لإثبات جدارتهم في الملّفات الاجتماعية والإنمائية.

وعلى الرّغم من “الوقت المبكر” وعدم فتح باب الترشيحات رسميًا، وبغياب صورة واضحة للتحالفات المتوقّعة والقابلة أساسًا للتغيير والتعديل في أيّ وقت، يُمكن التأكيد أنّ القوى السياسية الرئيسية والوازنة في المدينة، تُواصل دراسة تحالفاتها وكيفية احتفاظها بوزنها وثقلها في المدينة، خصوصًا مع دخول منافسين من رجال مال وأعمال إلى الخطّ الانتخابيّ.

وتُعدّ مشاركة النوّاب إيهاب مطر، أشرف ريفي، فيصل كرامي، وطه ناجي بالإضافة إلى مشاركة رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي بوضع “لمساته” الدّاعمة لشخصيات ومرشحين، أمرًا محسومًا، وفقًا للأوساط الطرابلسيّة التي تتحدّث أيضًا عن احتمال تجاوز عدد اللوائح في المدينة الستة، حيث سيضطّر كلّ نائب إلى تشكيل “قطب سنّي” خاصّ به لإثبات زعامته (خصوصًا في ظلّ ضبابية مشاركة “تيّار المستقبل” في الاستحقاق من عدمها)، وذلك خلافًا للاستحقاق البلديّ الذي أسفر عن تحالفات وُصفت حينها من قبل بعض الأوساط بأنّها “هجينة” أو ضعيفة.

ما يُحكى اليوم في الشارع الطرابلسيّ حول الانتخابات “محيّر” لكنّه غير مستبعد في الوقت عينه استنادًا إلى معطيات هذه الأوساط، ويُشاع أنّه سيتمّ تشكيل لائحة مدعومة من الرّئيس ميقاتي، وفيما تُلمّح بعض الأوساط إلى إمكانية ضمّ سامر كبّارة (صهر رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي) إلى لائحته، وهو زار القصر الجمهوري منذ ساعات على رأس وفد يضمّ كبار رجال الأعمال الطرابلسيين للقاء الرئيس جوزيف عون، فإنّ أوساطًا أُخرى تنفي هذه المعطيات، معتبرة أنّ كبّارة سيُشكّل لائحة مستقلّة.

وبعد تداول بعض المنصّات، أنباء عن عودة تحالف ريفي- كرامي نيابيًا، تتوقّع الأوساط استحالة تكرار هذا التحالف في الاستحقاقات المقبلة لأسباب عدّة ومنها تحالف ريفي مع حزب “القوّات اللبنانية” الذي لن يتوافق النّائب كرامي معه.

وكالعادة، سيتحالف كرامي مع النّائب ناجي، ومن المتوقّع، عدم تحالف “الأفندي” مع النّائب جهاد الصمد الذي سيُغرّد “ممانعًا” وحده، لتمسّكه بمواقفه السياسية المناصرة لـ “حزب الله” خلافًا لغيره من السياسيين، مع العلم أنّ الصمد يتمتّع بقاعدةٍ شعبية لا يُستهان بها شمالًا، وقد يتحالف مع “الجماعة الإسلامية” وأمينها العام عزام الأيوبي (الذي كان أحد أعضاء لائحة “التغيير الحقيقي” التي ترأسها النّائب مطر مسبقًا).

في المقابل، حاول النّائب مطر توضيح “معالم” معركته منذ أيّام بعد حديثه ولأوّل مرّة عن “عدم تحالفه مع من أسهم في إضعاف طرابلس”، وتعتبر الأوساط أنّ مطر يسعى إلى تشكيل لائحة وازنة تليق بالمرحلة، لا سيما بعد تمكّنه خلال سنوات قليلة من بناء مكانة خاصّة وخطّ سياسيّ منفرد.

يُمكن القول، إنّ الصورة الانتخابية الأوّلية غامضة بالتأكيد، لكّنها تحمل مفاجآت يتطلّع الطرابلسيّون إليها على أنْ تصبّ في صالح ملفاتهم التي بقيت “لا معلقة ولا مطلقة”.

شارك المقال