من صور إلى النبطية… مبانٍ مهدّمة وشعب ينتظر خطة لم تولد

نور فياض

اختلفت ظروف عودة الجنوبيين إلى قراهم بعد الحرب الأخيرة، تبعًا لحجم الأضرار وإمكانات الأفراد وآليات التعويض المعتمدة. ففي حين بادر بعض المتضرّرين إلى ترميم منازلهم المتضرّرة جزئيًا على نفقتهم الخاصة، تمكّن آخرون من الحصول على تعويضات من الجهات المعنية، فيما لا تزال فئات واسعة غير قادرة على حسم مصيرها السكني، بانتظار استكمال الإجراءات المرتبطة بملف إعادة الإعمار، ولا تزال غريبة في وطنها.

وبالتوازي، لا تزال المناطق الحدودية تواجه أوضاعًا غير مستقرة، مع استمرار المخاطر الأمنية وتأخّر البتّ بملفات سكانها، رغم التحركات الاحتجاجية التي شهدتها مؤخرًا، ناهيك عن سياسة العدو في قصف أو رمي قنابل على المنازل التي أُعيد بناؤها في هذه المناطق.

أمّا المواطن، فهو أيضًا يعاني من التداعيات الاقتصادية المتراكمة التي طالت القطاعات الزراعية والتجارية والصناعية، وأدّت إلى تعطّل مصادر الدخل وارتفاع معدلات النزوح الداخلي. وبين مبادرات فردية فرضتها الحاجة، ووعود رسمية لم تُستكمل بعد، يبقى ملف إعادة الإعمار موضع تساؤل، لناحية قدرته على الانتقال من معالجات جزئية إلى سياسة عامة شاملة تعالج الخسائر وتحدّد مسار التعويض بشكل واضح وشفاف.

في مدينتي صور والنبطية، لا تزال بعض الأبنية المدمّرة شاهدة صامتة على الحرب، تروي قصص الخراب والخسارة، لتذكّر المعنيين بوجودها بضرورة إنقاذها وإعادة الحياة إليها.

في صور، تهدّمت ٦٢٨ وحدة سكنية بشكل كليّ، و١٦٥ وحدة جزئيًا، فيما تحتاج ٦٦٣٥ وحدة إلى ترميم.

يشير نائب رئيس بلدية صور، علوان شرف الدين، عبر موقع “لبنان الكبير”، إلى أنّ “الحزب تولّى تعويض المتضرّرين بعد إجراء الكشوفات على الأضرار منذ الفترة الأولى للحرب، فيما اكتفى مجلس الجنوب بالكشف على الأضرار من دون دفع أي تعويضات حتى الآن، في وقت لم تُقرّ الدولة القوانين اللازمة لمعالجة هذا الملف حتى اللحظة، ما انعكس بطئًا في مسار التعويضات وإعادة الإعمار”.

ويلفت شرف الدين إلى أنّ المباني المدمّرة كليًا داخل المدينة لم يُعاد بناؤها حتى اليوم، فيما اضطرّ عدد من الأهالي إلى ترميم منازلهم المتضرّرة جزئيًا على نفقتهم الخاصة. ويوضح أنّ أحد المنازل التي تضرّرت جزئيًا بلغت كلفة أضرارها نحو 60 إلى 70 ألف دولار، وقد تم تعويض صاحبه بالكامل، ما أتاح له ترميم منزله، في حين توقّف دفع التعويضات في حالات أخرى، ولا يزال أصحابها ينتظرون استكمال ملفاتهم لدى الجهات المعنية.

ويؤكّد أنّ “التعويضات الدولية وبرامج إعادة الإعمار الكبرى لم تُنفّذ بشكل كامل، الأمر الذي حال دون الاعتماد عليها في ترميم المنازل”، مشيرًا إلى أنّ “نحو 80% من المباني المتضرّرة جزئيًا جرى إصلاحها وعاد السكان إليها، مقابل استمرار معاناة المتضرّرين من الهدم الكلي، الذين ما زالوا ينتظرون أي خطوات فعلية لإعادة البناء”.

أمّا في النبطية، فيؤكّد مصدر خاص في مجلس الجنوب أنّه “جرى إعادة بناء نحو 5% فقط من المنازل المهدّمة، فيما لا يزال 95% منها بانتظار التعويضات”. ويشير المصدر إلى أنّ غالبية المنازل المتضرّرة، على اختلاف أنواع الأضرار، خضعت لأعمال ترميم، وقد تولّت جهات معنية، ولا سيما جهاد البناء، دفع تعويضات لمعظم المواطنين تراوحت بين 10 و20 و25 ألف دولار، قبل أن يتوقّف الدفع على أن تُستكمل المرحلة الثانية لاحقًا.

ويلفت المصدر إلى أنّ “السكان عادوا إلى منازلهم رغم استمرار انتظار استكمال ملف التعويضات، فيما أنجز مجلس الجنوب غالبية الكشوفات، بانتظار أن تُقرّ الدولة آلية إعادة الإعمار”.

لا يزال ملف إعادة الإعمار يتردّد على مسامع اللبنانيين، بين من يتحدّث عن إنجازه خلال نهاية الأسبوع أو الشهر المقبل، لتقف الحكومة وتؤكّد، رغم محاولاتها بثّ الطمأنينة لدى المواطنين، أنّ هذا الملف لا يزال حتى اليوم يفتقر إلى خطة واضحة وآلية تعويض صادرة عنها. ويأتي ذلك على الرغم من أنّ مجلس الجنوب أنجز، إلى حدٍّ كبير، الكشوفات والآلية المعتمدة، مستندًا إلى التجربة التي اعتمدها خلال حرب تموز.

وعليه، لا تعويضات في الأفق القريب، ولا قرار سياسي وُلد بعد لمقاربة الأزمة بجدّية وفكّ أسر هذا الملف من دوّامة التسويف.

شارك المقال