الجنوب ليس أرض حرب فقط، بل هو أيضًا مساحة نابضة بالثقافة والفن، وبيئة قادرة على إنتاج الجمال رغم كل ما أثقلها من وجع. ففي السنوات الأخيرة، تصدّرت أخبار الحرب والغارات المشهد الجنوبي، حتى بات يُختزل في صور الدمار والقلق اليومي. غير أنّ هذا الجنوب، بشعبه المقاوم، لم يكتفِ بمواجهة العدوان بالصمود، بل واجهه أيضًا بالفن والثقافة، كفعل حياة في وجه الموت، وكإصرار على الفرح وسط الركام. من هنا، يصبح للفن في الجنوب معنى مضاعف، ويغدو حقًا طبيعيًا لأهله في أن يفرحوا، ويعبّروا، ويقدّموا صورتهم الحقيقية: أرضًا للحياة كما هي أرضًا للمقاومة.
في هذا السياق، يبرز افتتاح “بيت الفن زفتا” كمحطة ثقافية جديدة في جنوب لبنان، تعكس إصرار المنطقة على ترسيخ حضورها الفني وإبراز طاقاتها الإبداعية. فالمساحة الجديدة لا تأتي كمجرد صالة عرض، بل كمنصة متجذّرة في الجنوب، تسعى إلى جمع الفن والناس والحكايات، ودعم الأصوات الفنية المحلية، وربط الجنوب بالمشهد الثقافي اللبناني الأوسع، وصولًا إلى العالم.
افتُتح المعرض المندرج ضمن “دار زفتا فاوندايشين” صباح السبت، بمشاركة 24 فنانًا جنوبيًا، ويؤكّد أحد منظّمي المبادرة عبر “لبنان الكبير” أن “الجنوب يزخر بالمواهب غير المكتشفة، إلا أن كثيرًا من هذه المواهب تفتقر إلى الإلهام والفرص لتطوير نفسها في المجال الفني. ومن هنا جاءت فكرة المبادرة، التي تهدف إلى منح كل شخص يملك موهبة أو اهتمامًا بالفن مساحة للتعبير والإبداع، من خلال تنظيم معرض يتيح للجمهور الاطلاع على الإمكانات الفنية الكامنة في المنطقة، ويُظهر للعالم قدرة الجنوب على تقديم فنه الخاص، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تصوّره أرض حرب فقط”.
ويشير إلى أن “صاحب الفكرة، وهو من أبناء الجنوب، يؤمن بأن الفن لغة عالمية قادرة على ربط الناس بعضهم ببعض، من دون حواجز أو قيود. ففي ظل العزلة النسبية للجنوب عن بقية المناطق اللبنانية، يرى الفن وسيلة لتعزيز التواصل بين أبناء المنطقة والعالم الخارجي، ولإظهار ثراء المشهد الثقافي المحلي. ويضيف أن المبادرة تشجّع كل المواهب التي لا تجد لها مجالًا مناسبًا، وتتيح لهم فرصة المشاركة مع آخرين يشتركون معهم في الشغف نفسه، ما يخلق بيئة تحفّز على الإبداع والانتماء إلى الحركة الثقافية في الجنوب”.
ووفقًا له، تم التعرّف على الفنانين المحليين عبر بيت الضيافة “دار زفتا”، الذي افتُتح عام 2019 بهدف التعريف بالجنوب وأهله للعالم، وبدأ البحث عن فنانين يمتلكون إمكانات إبداعية. وأسفرت هذه الجهود عن التعرّف إلى 18 فنانًا من المنطقة، جرى جمعهم عام 2023 في أول معرض أُقيم في بيت الضيافة بعنوان “طريق الفن في الجنوب”، ترافق مع إعداد خريطة توضّح أماكن سكن هؤلاء الفنانين، لتعزيز الانتماء المحلي والتواصل المجتمعي.
ويضيف المنظّم أن “ثلاثة من هؤلاء الفنانين تم دعمهم وتبنّيهم لعرض فنهم في فرنسا، وما زالوا حتى اليوم يشاركون في معارض في بيروت، الأمر الذي شكّل حافزًا إضافيًا للمبادرة لاتخاذ خطوة جديدة لتسليط الضوء على مواهب الجنوب على نطاق أوسع، وخلق فرص أكبر للمعرفة والاحتكاك الفني”.
ويختم بالتأكيد على أن “المبادرة لاقت إقبالًا كبيرًا، مع الأمل في أن تساهم هذه الفعاليات في توليد طاقة إيجابية في المنطقة، وتعزيز دور الفن والثقافة في حياة أهالي الجنوب، ليصبحوا فاعلين ومؤثرين في المشهد الفني اللبناني والدولي على حدّ سواء”.
في كل زاوية من معرض زفتا، ينبض إبداع الجنوب بالحياة، مؤكدًا أن الفن هنا أقوى من كل أزمة. فالجنوب، رغم الصعاب، بقي دائمًا منبرًا للمواهب ومصدرًا لأهم الفنانين الذين حملوا صوته وإبداعه إلى العالم.


