الإسلام بين الأسر والتفكيك… من النيهوم إلى علي حرب

نزار عثمان السمندل

تنفجر هذه القراءة المزدوجة من قلب الظلال التي يتركها كتاب الصادق النيهوم «الإسلام في الأسر»، ونقد علي حرب له في كتابه الرفيع «نقد النص».

كتاب النيهوم بركان فكري لا يمنح القارئ رفاهية الاطمئنان؛ يدفعه إلى الأسئلة قبل الإجابات، إلى الشك قبل التسليم، إلى الثورة على الموروث حين يتحوّل إلى قيد.

المفكر الليبي، الذي ضاق به زمنه ولم يتّسع له، عاش عمراً قصيراً محمّلاً بثقل الأفكار، وترك أثراً لا يهدأ في عقل كل من يرفض الطاعة السهلة واليقين المعلّب.

لم يكن معنيًّا بطمأنة القارئ، إنما بإرباكه، وبإجباره على مواجهة ما اعتاد المرور عليه بلا تفكير.

العنوان وحده يكفي ليكون بياناً: (الإسلام في الأسر). أسرٌ لا يقع خارج الدين، بل يُمارَس باسمه. الجوامع سُرقت، والجمعة جُرّدت من معناها الجماعي، والمنبر، الذي كان يفترض أن يكون فضاءً للشورى والحياة العامة، تحوّل إلى مساحة صامتة لا يُسمع فيها سوى صدى الطقوس المتكرّرة.

يفتّش النيهوم عن جوهر الإسلام، عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية التي يرى أنها اختُطفت مبكراً حين تحالفت السلطة مع طبقة دينية لتحويل النص من وعدٍ بالتحرّر إلى أداة ضبط. النصوص، التي كان يفترض أن تفتح الأفق، أُعيد توظيفها لإغلاقه، وسُجنت الروح باسم حراستها.

مقالات الكتاب، من «قواعد الإسلام ليست خمساً» إلى «الصلاة المسروقة»، تتحرّك في حقل اللاوعي الجمعي، وتجاور أسئلة الإيراني علي شريعتي في «دين ضد الدين»، وتلتقي مع تشريح العراقي علي الوردي لعلاقة الوعظ بالسلطة. هنا لا يتعامل النيهوم مع الدين كتراث منزوع السياق، إنما كقوة اجتماعية وسياسية تُنتَج وتُستثمر.

في هذا الموضع تحديداً يبرز التوتر مع المفكر اللبناني علي حرب، الذي يقدّم في «نقد النص» قراءة مغايرة: فالإسلام ليس حقيقة جاهزة، بل بناء تاريخي متحوّل يُعاد إنتاجه باستمرار. قراءة تفكيكية تضع النص في مواجهة الواقع، وتكسر الهالة التبجيلية التي تحيط به، من دون أن تدّعي امتلاك بديل خلاص نهائي.

يراهن النيهوم على إمكانية استعادة ديمقراطية إسلامية من قلب الجامع، بينما يذكّر علي حرب بأن الشورى، تاريخياً، ظلّت حكراً على دوائر محدودة في الزمن القديم، وأن السياسة الدينية لم تتحقق يوماً كما تخيّلها الإصلاحيون. الفجوة هنا ليست فكرية فقط، بل واقعية أيضاً، بين الحلم والوقائع العنيدة.

الديمقراطية الغربية، التي يتحفّظ عليها النيهوم، نتاج تاريخ طويل من الصراع الاجتماعي والاقتصادي. أما الديمقراطية الإسلامية، كما يراها علي حرب، فقد وُلدت ضمن شروط جماعة أولية، ولم تُصمَّم لتكون نموذجاً عابراً للعصور. المقارنة، في جوهرها، ليست بين منظومتين، بل بين سياقين تاريخيين مختلفين.

ينحاز النيهوم إلى البعد القدسي، إلى الثورة الرمزية على المألوف، فيما يرسّخ علي حرب العقلانية والتحليل البارد. بينهما تتشكّل جدلية حادة: سماوي ودنيوي، مؤمن ومواطن، حلال وصحيح، نصّ ومعيش. جدلية لا تُحسم، بل تُبقي السؤال مفتوحاً.

إصرار النيهوم على أن الإسلام للناس جميعاً يصطدم بواقع القيم الاجتماعية الغائبة، وبمناهج دينية فقدت روحها، وبجامع خسر وظيفته العامة واكتفى بأداء شكلي لا يُنتج وعياً ولا مساءلة.

قراءة النيهوم، حين تُجاوَر بنقد علي حرب، تتحوّل إلى ساحة اشتباك فكري وأخلاقي، تدعو القارئ إلى مواجهة الانقسام العميق بين الطقس والمعنى، بين النص والسلطة، بين ما نعيشه وما كان يمكن أن نكونه.

من بين صفحات كتاب النيهوم يتمظهر عالم إسلامي–عربي مثقل بنصوص مسلوبة، ووعود خلاص مؤجَّلة، وأمل خافت في استعادة جوهرٍ ما لا يزال حبيس أسوار السلطة والجمود. هنا تصبح الكلمات محاولة لملامسة هذا الفراغ، وإدراك أن الإسلام، كما يُرى هنا، ليس عقيدة جامدة، بل تجربة صراع دائم: بين الحرية والانضباط، بين الجماعة والفرد، بين النص والواقع.

شارك المقال