جواسيس اسرائيل في مجلة “أكتوبر”

عبد المنعم مصطفى

فتح الرئيس أنور السادات قنوات الحوار كافة بين مصريين واسرائيليين، في مسعى لتطوير مبادرته للسلام، وعبر هذه القنوات شاركت مجلة “أكتوبر” برئاسة الأستاذ أنيس منصور في النصيب الأوفر من هذا الجهد.

كان هذا هو دور المجلة كما تصوره السادات لدى تأسيسها، وكان يهوى ممارسة دور رئيس التحرير الفعلي للمجلة. فبينما كان أنيس منصور يرأس اجتماع مجلس التحرير يوم الأحد من كل أسبوع، اعتاد أن يلتقي الرئيس السادات أسبوعياً، كما اعتاد أن يتلقى منه بعض التصورات أو المطالب أو حتى الأوامر، التي قد تشتمل أحياناً على إصدار بعض التكليفات، وتحديد أسماء المكلفين بها، وقد حدث في احدى المرات، أن رشح الرئيس السادات إسمي لترجمة كتاب عن معارك الحرب العالمية الثانية، ونشره على حلقات بالمجلة، حملت عنوان “أسلحة الحلفاء السرية”.

خلال الفترة التي أعقبت محادثات كامب ديفيد، اعتدنا أن نرى اسرائيليين، على نحو متكرر، كان من بينهم كاتب اسرائيلي من أصول عراقية اسمه يعقوب خزمه، وكان أنيس منصور يضيق بالرجل وبفضوله الزائد، ويتشكك دوماً في طبيعة مهمته، وأذكر أنه قال لي ذات مرة. “هذا الرجل (يعقوب خزمه) جاسوس، انه ما إن يجلس أمامي حتى يبادر الى طلب دخول الحمام (عشان يضبط أجهزة التنصت التي يخفيها في طيات ملابسه)!”.

أذكر أيضاً، ملاسنة حادة جرت بيني وبين عاموس إيلون وكان وقتها مديراً للتحرير في صحيفة “ها آرتس” صيف عام 1979، بعدما لاحظت نغمة استعلاء حضاري في حديثه، بينما كان ينظر بحسد من نافذة مكتبي المطلة على النيل، مشيراً الى أننا شعب لا يحسن استخدام موارده، بل ويهدرها على نحو منهجي (اكتشفت لاحقاً أن عاموس إيلون كان على حق، وأن شوفينية زائدة، كانت تلتهب عندي كلما تحدثت مع اسرائيليين، قد حجبت عني بعض تلك الحقائق المؤسفة).
في شتاء 1981، وبعد أسابيع من اغتيال السادات، استقبلت المجلة فاتنة شديدة الجمال، جاءت بصحبة مدير الاذاعة العربية (راديو اسرائيل) وكان من عرب 1948، قدمها لنا الرجل باعتبارها “أميرة السلام” وشرح لنا كيف تم اختيارها ملكة للجمال، قبل أن يتقرر تكليفها بمهمة “أميرة السلام” وإيفادها الى مصر لتعريف الشباب المصريين على نظرائهم من الاسرائيليين. تصادف وصول ملكة جمال اسرائيل (لا أذكر اسمها) بعد يوم واحد من قرار أصدره رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك مناحيم بيغين، بتطبيق القوانين الاسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وهو ما تعاملت معه الصحافة باعتباره قراراً بضم الجولان الى الأراضي الاسرائيلية.
سألت جميلة الجميلات الاسرائيليات، عن برنامجها في القاهرة، فقالت انها تعتزم زيارة جامعة القاهرة للالتقاء بالشباب المصري والحوار معه حول تعزيز السلام بين مصر واسرائيل. قلت لها: “ماذا ستقولين للشباب المصري بجامعة القاهرة اذا سألوك عن قرار بيغين أمس بضم الجولان؟!”. اتسعت حدقتاها الزرقاوتان، وقالت باستنكار: “it is our safety”. نظرت الى مرافقها من عرب 48 وقلت له بالعربية: “نصيحة، لا تذهب بجميلتك الى جامعة القاهرة والا فإن الشباب هناك سوف يمزقونها، عد بها من حيث أتيت”.
لكن الرجل لم يتفهم ما قلته، الا بعدما أبلغته الأجهزة الأمنية بإلغاء الزيارة لاعتبارات أمنية.
حاول الأستاد أنيس منصور في تلك الفترة إقناعي بالذهاب الى اسرائيل لتمضية أسبوعين هناك، أعود بعدها محملاً بتحقيقات وحوارات ومقالات، لم أكن مهيئاً نفسياً لمهمة من هذا النوع، فما بيني كمصري من أصول صعيدية، وبين الاسرائيليين، هو دماء أريقت وأخرى ما تزال قيد الاراقة، تعللت في البداية، بأنني لا أستطيع الذهاب الى بلد ما زال يحتل أرضي، لكن أنيس منصور لم يكن مقتنعاً بسلامة هذا الموقف، فتعللت ثانياً بأنني بحكم عملي الرسمي في وكالة “أنباء الشرق الاوسط” لا أستطيع الذهاب، لأنني سوف أصبح إن ذهبت، ممنوعاً من دخول الدول العربية كافة. فرد الأستاذ أنيس، بأن من الممكن السفر بوثيقة خاصة، تبرئ جواز سفري من أختام الوصول والمغادرة في مطارات اسرائيل، عندها قررت أن أبلغه رفضي للمهمة وعدم جاهزيتي نفسياً وسياسياً للقيام بها.
كان أنيس منصور قد جرّبني في مهام مماثلة، ولكن داخل مصر، كانت من بينها، مهمة الالتقاء بشباب جماعة “peace now” (السلام الآن)، وهي جماعة تأسست في أعقاب زيارة السادات للقدس، بهدف ممارسة ضغط على حكومة بيغين باتجاه تعزيز فرص السلام مع مصر.
كان السادات حريصاً على بناء جسور بين نخب مصرية وأخرى اسرائيلية، وكانت قيادات جماعة “السلام الآن” احدى تلك النخب.
ذهبت الى فندق “شبرد” المطل على النيل، قرب مقر المجلة، بصحبة الصديق رفعت فودة محرر الشؤون الاسرائيلية في المجلة، والتقينا بوفد “السلام الآن” في غرفة أحدهم، كانوا نحو سبعة أغلبهم من الشباب – تقلد بعضهم مراكز قيادية في حكومات لاحقة خلال تسعينيات القرن الماضي – وكان الحوار معهم عظيم الفائدة بالنسبة لي، كنت أسمع صوتاً مغايراً لما اعتدنا سماعه من الاسرائيليين، لديهم رؤية متحضرة، ينتمي أغلبهم الى محافل علمية وجامعات متميزة، وما زلت أذكر أن قائد المجموعة كان أستاذاً للفيزياء في إحدى الجامعات هناك.
كانت جماعة “Peace Now” مصدر الهام بمستقبل واعد للسلام في المنطقة، وأذكر أنني قلت للأستاذ أنيس منصور لدى عودتي من المهمة: “لو انتقل هؤلاء الشباب الى مراكز القرار في اسرائيل ذات يوم، فإن السلام سيُصبِح ممكناً”. لكن ما حدث لاحقاً من تطورات، بعد حصار بيروت في 1982، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي بكل توابعه، وأهمها في هذا الصدد، هو طوفان المهاجرين من اليهود السوفيات (نحو مليون مهاجر)، قد أطاح فرص اليسار الاسرائيلي وفي قلبه جماعة “Peace Now”.

شارك المقال