لم يكن ليل حارة حريك الحي الراقي الواقع في الضاحية الجنوبية، مثل باقي لياليه، ثلاثة صواريخ اسرائيلية كانت كافية لتحوّل المنطقة إلى ساحة من ساحات الحرب.
دماء، أشلاء، ركام، فرق الإسعاف، والأصوات تصدح من كل صوب، والبحث جار عن مفقودين.
أربع ضحايا و74 جريحاً في الغارة التي استهدفت حارة حريك في الضاحية الجنوبية، أمس الثلاثاء، والحصيلة غير نهائية.
في اليوم التالي للإستهداف الاسرائيلي الذي طال المبنى السكني المجاور لمستشفى بهمن، لم يستفق سكان المنطقة وأصحاب المحال التجارية من صدمتهم بعد، فهم لا يريدون التحدث، بل ينهمكون فقط في إزالة الزجاج الذي كان قبل يوم واجهة للمحل.
حركة الشارع شبه معدومة مقارنةً بالإكتظاظ الذي تشهده شوارع الحارة، وزحمة السير التي لا تفارق طرقها أيام السلم، وقبل أن تصل إلى المكان المستهدف يمكنك أن تشم رائحة البارود التي تقتحم حاسة الشم لديك مع الغبار الكثيف.
المشهد لا يشبه الاستهداف الذي طال صالح العاروري، نائب رئيس حركة “حماس”، قبل أشهر في منطقة معوّض في الضاحية الجنوبية، نسبة الى حجم الدمار، والأضرار التي لم تقتصر على الطوابق الأربعة من المبنى الذي قصف بثلاثة صواريخ، انفجر منها اثنان.
وفي حارة حريك، عشرات السيارات، والشقق، والمحال تضررت، وتم اجلاء سكان المباني المجاورة تخوفاً من انهيار أي جزء منها نتيجة التصدعات القوية التي احدثتها الضربة، بالاضافة إلى تضرر مستودعات المستشفى الملاصقة للمبنى المذكور.
سيدة تقطن في المبنى الذي تسكنه أسرة القيادي في “حزب الله” المستهدف فؤاد شكر، المؤلفة من زوجته وابنتيه، تقول لموقع “لبنان الكبير”: “8 سنوات ونحن نقطن في المبنى لم نصادفه مرة، فقط نلقي التحية على زوجته، ونلتقي ابنتيه أثناء خروجهما ودخولهما إلى المبنى”.
وبحسب ما تؤكد، “لا وجود لمظاهر أمنية في محيط المبنى على الإطلاق، ولا شكوك بأن شخصية بهذه الأهمية تعيش بيننا”.
ساعة ونصف الساعة ظلّت عالقة في شقتها التي انهار أكثر من نصفها، ولا أحد يعلم بها أو يسمع صراخها، وهي تردد “أنا عايشة” بأعلى صوتها، حتى تنبُه لها شبان الدفاع المدني الذين هرعوا لإخراجها خصوصاً وأن المبنى تصدّع بقوّة، وكان الشاب يستعجلها على الدرج قائلاً: “رح يوقع فينا”، إلى أن وصلت إلى الطبقة الرابعة وهنا طلب منها أن تغمض عينيها، سكتت لحظة قبل أن تكمل “كان في أشلاء”، وأكملت باكية “جيراني ماتوا”.
توجهوا بها إلى المستشفى وهي في حالة هلع، “حسيت حالي مخدرة”، وهنا لا تتذكر الباقي.
وتتحدث السيدة الخمسينية سارة بيضون لموقع “لبنان الكبير”، وهي تسكن في الطابق الثالث من البناية المجاورة للمبنى، وقد نسيت تفاصيل اللحظات الأولى من الإستهداف نتيجة الصدمة، فعصف الإنفجار أدى إلى إنهيار جدران غرفة نوم ابنتها البالغة من العمر 16 سنة، وهي في داخلها. عندما سمعت صوتاً قوياً ظنّت للوهلة الأولى أنه جدار صوت، ثم تبعه وميض قوي، تقول: “ضوّت الأوضة”.
لا تتذكر كيف احتضنت ولديها، وتوجهت نحو الباب الذي لم يعد يفتح نتيجة الضغط، وتصف الثواني التي عاشتها بأنها الأكثر رعباً في حياتها، خصوصاً وهي لا تعلم ماذا يجري في الخارج، فقط تسمع صراخ الجيران الذي غطى على صوتها وهي تطلب النجدة، قبل أن يسمعها أحد الشبان الذي خلع الباب من أجل اخراجهم، وهم في حالة انهيار.
“فكرنا رح تنزل فينا البناية”، يقول محمد رملاوي لموقع “لبنان الكبير” وهو يجر حقائبه سيراً على الأقدام بعيداً عن بيته الذي تضرر في محيط الاعتداء.
وبحسب رملاوي، سمعوا ثلاث ضربات متتالية، قبل أن يملأ الغبار المكان، فظن أن المبنى سينهار عليهم.
ويضيف: “خرجنا من البيت، زوجتي وابني الذي لا يتجاوز السنتين من عمره، وأنا، فمشهد الشارع لا يمكن وصفه، خصوصاً أننا لا نعلم ما الذي يجري، وهل بدأت الحرب؟”.
وأكّد مصدر من الدفاع المدني لموقع “لبنان الكبير”، أن هناك حتى الآن أشلاء تحت الركام، يقومون برفعها، وأن عدد الضحايا أكثر من المصرّح عنه.
هل بدأت الحرب؟ السؤال لا إجابة عنه حتى الآن في ظل الحرب النفسية التي تعيشها المنطقة، وتصاعد حدّة التهديدات، مع الاستهداف الذي طال بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل، وعدم تصريح “حزب الله” عن مصير فؤاد شكر حتى اللحظة، واغتيال رئيس حركة المقاومة الاسلامية “حماس” اسماعيل هنية في طهران.
وكان الجيش الاسرائيلي أعلن في بيان مقتضب أصدره المتحدث باسمه، أن مقاتلات من سلاح الجو استهدفت مساء أمس فؤاد شكر المكنى ب “السيد محسن” في بيروت بناء على معلومات استخباراتية دقيقة، من دون ذكر تفاصيل أخرى عن العملية.


