هذا ما تبلغه لبنان من واشنطن… لا حرب واسعة إلا إذا!

ليندا مشلب
اغتيال فؤاد شكر

المنطقة برمتها تقف على “اجر ونص” بانتظار ما ستؤول اليه الأمور بعد رد “حزب الله” المحسوم والمرتقب، ورد ايران الضخم، وما إذا كانت اسرائيل ستبتلع الرد أم ستقابله بالصاع صاعين.

في الموازاة، قلق يتزايد يوماً بعد يوم وساعة تلو الساعة، والكل أصبح يعيش أجواء الحرب حتى ‏قبل اندلاعها، وما المخاوف الكبيرة التي عبّر عنها الموفدون الديبلوماسيون والمسؤولون العرب والأجانب ان في اتصالاتهم أو لقاءاتهم، إلا دليلاً واضحاً على ضبابية المشهد وعدم امتلاك أي دولة مهما عظم شأنها سيناريو محدداً حول مصير التصعيد وسقوفه. وهذا ما نقله صراحة عدد من سفراء الدول الكبرى، الذين استمعوا إلى موقف الحكومة اللبنانية ‏التي طلبت منهم رسمياً الضغط على إسرائيل عبر مجلس الأمن لتطبيق القرار ‏2735 لوقف النار في غزة ‏حتى تقف الحرب في لبنان.

لكن الرسالة الأهم جاءت من واشنطن عبر السفيرة الأميركية التي نقلت إلى المعنيين أن واشنطن بالفعل لم تكن على علم باستهداف الضاحية وأنها صحيح تبلغت من اسرائيل أن هناك ضربة لكنها لم تطلعها على تفاصيلها أو طبيعة الاستهداف، فقط أبلغت أنها ستكون ضمن المناطق الجغرافية المفتوحة على المواجهة وليس في نطاق العاصمة أو المرافق العامة. وقالت: “نحن نتدخل إلى حدود معينة لكن الأمور يمكن أن تخرج عن السيطرة، إذا تجاوزت اللعبة الضربات المنضبطة”.

وفي معلومات “لبنان الكبير” أن وزير الخارجية عبد الله بو حبيب استدعى مساء الخميس سفراء الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وممثلي الدول الأعضاء غير الدائمين وطلب من الرئيس ‏نجيب ميقاتي أن يترأس الاجتماع الذي عقد في السراي. وقال لهم ميقاتي بصريح العبارة كي ينقلوا إلى عواصمهم: “حزب الله لم يستهدف أي مدني اسرائيلي ‏منذ الثامن من أكتوبر، فأين هو المنطق والمصلحة باستهدافه مواطنين عرباً سوريين دروزاً في منطقة عربية محتلة من اسرائيل؟”. وسأل: ماذا يريد نتنياهو؟ هل يريد القضاء على مبادرة الرئيس الأميركي جو بايدن؟ هل هذا ما يريده نتنياهو؟ أن يحبط المبادرة السياسية حول غزة لعرقلة وقف إطلاق النار؟ ونحن كدولة لبنانية نؤكد أن اسرائيل تخالف كل الشرعيات الدولية وتنتهك القوانين والأعراف وقرارات مجلس الأمن ولا أحد يتحرك! ومجلس الأمن يستباح منها ولا أحد يقف في وجهها.

وأكد ميقاتي أن لبنان يؤمن بالشرعية الدولية ويحترم قرارات مجلس الأمن والدولة اللبنانية من مؤسسي الأمم المتحدة، ونطلب منكم الضغط على اسرائيل لوقف انتهاكاتها لسيادات الدول، في المنطقة واعتداءاتها على غزة وعلى جنوب لبنان، واسرائيل من خلال استهدافها الضاحية الجنوبية لبيروت خرقت الحدود الجغرافية لقواعد الاشتباك (have crossed the geographical red lines). السفراء استمعوا أكثر مما أدلوا بمواقف لأن الدعوة وجّهت اليهم قبل ٢٤ ساعة، فلم يكن لديهم الوقت الكافي لمراسلة عواصمهم (verbal notes) كي يزوّدوا بالموقف المطلوب إبلاغه إلى الدولة اللبنانية. وعلم موقع “لبنان الكبير” أن اجتماعاً مماثلاُ سيعقد الأسبوع المقبل كي ينقلوا مواقف بلادهم. السفيرة السويسرية سألت ميقاتي: هل أنتم كحكومة ستستمرون في ممارسة الضغط والحوار من أجل التوصل إلى حل سياسي؟ أجاب ميقاتي: بالتأكيد لأن الحل السياسي هو الحل الوحيد. وعندما تحصل الحرب لن تتوقف إلا بالحل السياسي، إذاً لماذا الذهاب اليها وتكبد الخسائر والدمار والضحايا؟ وهذا هو خيارنا. فسألته سفيرة كوريا الجنوبية: هل “حزب الله” يسير في هذا الاتجاه؟ فرد ميقاتي: نحن لا نستطيع الطلب من “حزب الله” أن يوقف العمليات العسكرية طالما اسرائيل تنتهك السيادة اللبنانية، وتقصف مدنيين وأطفالاً ونساء، وهناك أراض محتلة لبنانية ونقاط خلاف على الحدود، وفضاء مستباح. واعتبر السفير الفرنسي أن كلام ميقاتي منطقي.

إذاً بطريقة أو بأخرى يؤكد ميقاتي أن الحكومة والمقاومة في خط واحد للدفاع عن لبنان والتوصل إلى حل مستدام. وبحسب مصدر حكومي بارز لـ”لبنان الكبير” فان الحكومة تقوم بأشرس معركة ديبلوماسية والرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي ووزير الخارجية يعملون بصورة حثيثة مع كل الأطراف لحماية لبنان من عدوان اسرائيلي والضغط على اسرائيل لتطبيق القرارات الدولية.

لكن يبقى السؤال: هل لا يزال لبنان يتلقى تطمينات بأن لا توسيع للحرب؟

يكشف المصدر: السفيرة الأميركية أبلغت ميقاتي أن واشنطن تبلغت من الاسرائيلي أن بنك أهدافه انتهى من الرد على مجدل شمس، ولن يتحرك بعمليات مماثلة إلا إذا خرج “حزب الله” عن قواعد الاشتباك.

ويتخوف المصدر من فتح جبهة موازية للجبهة القائمة منذ ١٠ اشهر وهي جبهة الرد والرد على الرد ( attack and response)، والجبهة الثانية هي الأخطر، أولاً لأنها مفصولة عن الأولى، وثانياً لأنها مفتوحة على مخاطر الانزلاق، من هنا تتكثف الاتصالات الديبلوماسية، لادخال رد “حزب الله” ضمن مفهوم “العين بالعين” وإقفال هذه الجبهة والعودة إلى قواعد الاشتباك المعمول بها إلى حين إتمام الصفقة في غزة، وطلب لبنان الضغط على اسرائيل لعدم الدخول في لعبة الردود. نحن نخوض حالياً معركة ديبلوماسية شرسة في المحافل الدولية ضد اسرائيل يقول المصدر، عبر مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي.

وعن الفارق بين اليوم وحرب العام ٢٠٠٦، يجيب المصدر: “في حرب تموز لم تكن الساحات مرتبطة، وكانت هناك عملية أسر لجنود اسرائيليين، والعدوان اَنذاك فضح مخططاً دولياً لإعادة إدارة منطقة الجنوب مع اسرائيل، وإرساء قواعد اشتباك والدليل أنها انتهت بالقرار ١٧٠١، الأمر الذي أمّن الاستقرار للطرفين من ٢٠٠٦ وحتى ٢٠٢٣. اليوم الوضع مختلف تماماً، ولا نية لدى أي طرف بالدخول في معركة مفتوحة أو حرب، كما أن لا ضوء أخضر من أي جهة دولية وبالتحديد ايران وأميركا ولا حتى اسرائيل وحزب الله، والسبب الأساس هو التطور العسكري الكبير في السلاح والردع والتكنولوجيا والمسيرات والذكاء الاصطناعي، وهذا يصعب جداً الحسم في العلم العسكري، بالإضافة إلى عامل أساسي وهو أن هناك تشكيكاً جدياً بقدرة الجيش الاسرائيلي على القتال على أكثر من جبهة، وتمدد المواجهة الى ساحات محور المقاومة في ما بات يسمى وحدة الساحات. أما مخاوف اندلاع الحرب الواسعة فتأتي من الخطأ في الحسابات، أي أن يسقط ضحايا مدنيون خلال الاستهدافات المحددة كما حصل في الضاحية الثلاثاء، وإذا ما تكرر هذا الفعل فسيؤدي حتماً إلى تدحرج الحرب وتسقط كل معايير الضبط، لأن هذه المعادلة تراكمية وتصاعدية، ومفتوحة على احتمالات خطيرة”.

ويبقى أن تاريخ الخامس من آب الذي حذرت منه تقارير ديبلوماسية، ليس صدفة، إنما هو تاريخ استند إلى معطيات أكدت أن لبنان والمنطقة سيكونان فيه على مفترق طرق، إما العودة إلى ما كانت عليه الأمور وإما الدخول في مرحلة جديدة لا أفق لها.

شارك المقال