الشيعة في عودتهم إلى الدولة هم الغالبون!

جورج حايك
علم لبنان والارزة

لا شك في أن سرّ قوة “حزب الله” في كل المرحلة الماضية التي سبقت الحرب الحالية مع اسرائيل، كانت تلك الشعبية الكبيرة التي كسبها في الشارع الشيعي، والتي تجمّعت فيها عوامل عدة أهمها: أولاً، حزب منظّم مدعوم إيرانياً بالمال والسلاح، ثانياً نشره للعقيدة التي تلعب على وتر ديني مذهبي يُحرّك الوجدان الشيعي “المحروم”، ثالثاً الاستثمار في مسألة العداء لاسرائيل وتحرير القدس والمقاومة العسكرية، رابعاً وجود الأمين العام الراحل حسن نصر الله وتمتعه بشخصية كاريزماتية لا يمكن إنكارها وبلاغة خطابية عالية وقدرة على الإقناع حتى ولو كانت الخيارات أحياناً غير منطقيّة.

بالتأكيد، تُعتبر الجماعة الشيعية ككل الجماعات التكوينيّة للبنان، عاطفيّة، تجذبها الشعارات الكبيرة، وتغريها عناصر القوّة الذاتية المتمثّلة بالسلاح والتفوّق على المكوّنات الطائفية الأخرى في لبنان. هؤلاء طيّبون في الأصل، اقتنعوا من خلال وقائع وأحياناً من دون وقائع، بما كان يروّجه “الحزب” أنّه قوة عظمى لا تقهر، وأنّ ما يملكه من تدريب وجهوزية وخبرة قتالية وعشرات آلاف المقاتلين وترسانة صواريخ ذكية تحمل أسماء عشرات القادة من الحزب، وأنّ هذه العناصر كلّها وغيرها قادرة فعلاً على إزالة إسرائيل من الوجود، وأنّه إذا اضطر، ولن يضطر بفعل قوته العظمى، إلى أي مساعدة فإنّ إيران جاهزة لرفده بالمساعدة التي يريدها إن مباشرة من خلال تدخل جيشها وحرسها وصواريخها، أو غير مباشرة بتحريك ساحات المحور قاطبة ودفعة واحدة من أجل أن تلقِّن إسرائيل درساً سيبدِّل في التاريخ ويخرجها من الجغرافيا.

فخطأ القسم الكبير من الشيعة اللبنانيين أنه اقتنع بشعارات “الحزب” التي مفادها أنّ “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، وساهمت تل أبيب في تعزيز رواية القوة لديه من خلال صحافتها التي كانت تضلله بمقالات من قبيل أنّ قوة “الحزب” أصبحت تهدِّد أمن إسرائيل ووجودها، وفي الوقت الذي كان يتكئ فيه “الحزب”، سكراناً بقوّته، على الصحافة الاسرائيلية، كانت تل أبيب تعزِّز اختراقاتها الأمنية والاستخباراتية لصفوفه.

وخطأ هؤلاء الشيعة الطيّبون أنّهم كانوا على اقتناع بقوة إيران، وقوة المحور الذي ينتمي إليه “الحزب”، وأنّه وحده قادر على تدمير إسرائيل وكيف بالحري مع وحدة الساحات، ومع قوة إيران التي لا تضاهيها قوة، حتى وصلت دعاية “الحزب” عن نفسه إلى أن مهمّته ما فوق البشريّة؟

أمام هذا الواقع، تداعى بعض من الانتلجنسيا الشيعية اللبنانية من خارج إطار “الحزب” لتقييم ما حصل، وتبيّن مع هؤلاء أن الجمهور الشيعي المنخرط في “الحزب” والمناصر أصيب بصدمة مثلّثة:

  • الصدمة الأولى من الاعتداد الفائق بقوة “الحزب” التي أظهرت الوقائع أنّها غير موجودة، وفي عشرة أيام فقط، من 17 أيلول (أجهزة الاتصال) حتى 27 منه (اغتيال أمينه العام) تعرض لشبه إبادة.
  • الصدمة الثانية من وحدة الساحات التي كان الترويج لها على أنّها عند أيّ اعتداء إسرائيلي ستتحوّل إلى ساحة واحدة تُمطر فيها تل أبيب بالصواريخ، وكان المحور كمن يستدعي إسرائيل إلى هذه المواجهة التي ستكتب فيها نهايتها، وسرعان ما تبيّن أن وحدة الساحات شعار لبيع الأوهام.
  • الصدمة الثالثة من إيران التي كانت تفاوض واشنطن وتتودّد إليها في الوقت نفسه الذي كان يتعرّض فيه “الحزب” لشبه إبادة على يد إسرائيل، وكانت هناك قناعة لدى جمهور الحزب بأنّه لو دخلت طهران على خط المواجهة العسكرية أقله بعد عملية “البايجر” أو بعد الدخول في الحرب الواسعة لكان بقي أمينه العام على قيد الحياة، وأنّ غياب أي رد فعل عسكري جديّ من إيران على اغتيال نصر الله شكل وحده صدمة ما بعدها صدمة.

حتماً حلّت النكبة في الطائفة الشيعية الكريمة التي تسجّل أكبر عدد من الشهداء والبيوت المدمّرة وفقدان جنى العمر نتيجة آلة الحرب الاسرائيلية، وهؤلاء يعيشون في وضع كارثيّ بسبب الحرب والموت والدمار والتهجير الذي طال الجزء الأكبر من بيئة “الحزب”، وبالتالي اعتقدنا لوهلة أنّ هذه المأساة التي يعيشها الشيعة في الوقت الحاضر ستدفع “الحزب” الى مراجعة عميقة لكل ما حصل، لكن المؤسف أنه على الرغم من أنه المسؤول الأول عن هذا الوضع بسبب حساباته الخاطئة، وفي خضم الموت والآلام والأوجاع التي تعانيها بيئته، لا يزال يسير على النهج نفسه وهو الإنتحار وكأن شيئاً لم يحصل في البلد.

وتعتبر شخصيات من الانتلجنسيا الشيعية أنه صحيح أن الكلمة الأخيرة للشيخ نعيم قاسم كانت أشبه بالإستسلام المقنّع عبر موافقته على وقف أعمال “الحزب” العسكرية ضد إسرائيل، ورفع يده عن المعابر البرية والبحرية والجوية، وإنهاء وجوده العسكري، إلا أن ما لا يُطمئن هو اعتراضه على آلية التنفيذ التي لا تسمح لـ”الحزب” بالإنقلاب على التسوية كما فعل بعد حرب تموز 2006. علماً أن الخطة الايرانية المنشأ تقضي بالتحايل على تنفيذ البنود المتفق عليها بعد وقف الأعمال العسكرية، لذلك يهمّ “الحزب” اليوم الانتقال من مومنتم الحرب إلى مومنتم وقف إطلاق النار، فيكون بذلك وضع حدّاً لخسائره الكبرى، ويبدأ مرحلة الالتفاف على ما وافق عليه.

لا أحد من اللبنانيين عموماً والشيعة خصوصاً يريدون أن يعيشوا الحرب مجدداً كلّما اقتضت المصلحة الايرانية ذلك، وفق شخصيات الانتلجنسيا الشيعية، والتهديد بعملية ترانسفير للشيعة إلى العراق أو أي دولة أخرى مرفوض تماماً، فهي من الطوائف المؤسسة للبنان، وخسارة “الحزب” للحرب لا يعني خسارة الطائفة التي تعرّضت لصدمة نتيجة كل ما حصل من مأساة بسبب هذه الحرب، ما يدفعها إلى فصل نفسها عن “الحزب”. ويرى المفكرون أن على الدولة احتضان هؤلاء، والبدء باستيعابهم، وقد بدأ ذلك مع الاحتضان الشعبي للنازحين من كل الطوائف المسيحية والسنّة والدروز، وهذا ما يبشّر بالخير وبمستقبل يتعزّز فيه مفهوم المواطنة بصرف النظر عن الانتماء الطائفي، فاللبناني يجب أن يقف مع اللبناني وطنياً وانسانياً، مهما كانت الخلافات السياسية.

وبعد الحرب، بجب أن يُنتخب رئيس جمهورية فعلي، يعيد بناء المؤسسات الدستورية وفي طليعتها الحكومة كي تكون فاعلة ومؤثّرة ومتناغمة، ويلفت المفكّرون الشيعة إلى أن المطلوب أن يكون الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة المسلّحة على الأراضي اللبنانية مع دعمها بالسلاح النوعيّ للدفاع عن لبنان ضد كل معتدٍ، ومنع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها وصورها، تحكيم سلطة القانون، مكافحة الفساد على جميع المستويات، استخلاص العبر من التجارب التي مرّ بها لبنان وبذل قصارى الجهد في تجاوز الإخفاقات، وبناء مستقبل ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار والازدهار.

وخلص رجال الفكر الشيعة بعد ورشة عمل سياسية إلى أنه لا يُمكن لهذه الدولة القويّة والحضارية إلا أن تجذب كل مواطن، سواء كان شيعياً أو غيره. وبالفعل كلامهم يُمثّل شيعة المستقبل، أي مستقبل لبنان بعيون من يريد مصلحة الشيعة، ومستقبل الشيعة بعيون من يريدهم روّاداً في بناء المستقبل الذي ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار والازدهار، ومستقبل الشرق الأوسط بعيون من يريد أن يطوي هذا الشرق صفحات الموت والحروب والفوضى، ويفتح صفحات جديدة لا أولوية فيها سوى لأولوية الإنسان.

ويشكّل كلام الانتلجنسيا الشيعية خريطة الطريق للشيعة اللبنانيين من أجل بناء الدولة التي تجسِّد تطلعاتهم، كما يشكّل خريطة الطريق للبنانيين من أجل بناء الدولة التي يحول “الحزب” دون قيامها، وخريطة الطريق لكل شعب يريد أن ينعم بالأمن والاستقرار والازدهار.

ليس معروفاً إذا كان “الحزب” قادراً على القيام بمراجعة ذاتية، أو إذا كانت تسمح له إيران بذلك، إذا صحّ التعبير، بعدما أقحمت الطائفة الشيعية اللبنانية في مشروع الموت.

لا حياة بلا أمل، وربما لا يزال بعض الشيعة يراهن على صحوة “الحزب”، ولو تدريجياً من أجل استخلاص العبر من التجارب التي مرَّ بها على مدى أربعة عقود، والشيعة بعد هذه الحرب هم أحوج ما يكون الى بناء مستقبل ينعمون فيه مع جميع اللبنانيين، بالأمن والاستقرار والازدهار، وهم أحوج ما يكون الى دولة لا سلاح خارجها، وتعتمد الحياد وتمنع التدخُّل في شؤونها، وتحكِّم الدستور والقانون في ممارستها، شرط التزام الجميع باتفاق الطائف بنسخته اللبنانية لا السورية ولا الايرانية.

شارك المقال