بينما كنت أنتصب مشدود القامة أمام الأسطى محمد رضوان ترزي العائلة، ليرفع مقاسات بنطلون جديد لي من الصوف الانكليزي الـ”هيلد” الذي لا يرضى أبي عنه بديلاً، كان الرجل ينحني ليأخذ المقاسات من مستوى القدم وحتى مستوى الخصر، بينما أنا منشغل بالنظر عبر نافذته الى الضفة الأخرى من شارع ترعة جزيرة بدران على بعد عشرات الأمتار من شاطئ النيل، حيث المقر الجديد لـ “هيئة التحرير” أول مشروع لفكرة الحزب الأوحد بعد الثورة. كنت أستطيع أن أرى من نافذة الأسطى محمد رضوان، صورة جمال عبد الناصر، وتحتها شعار “الاتحاد والنظام والعمل” الذي جرى إقحامه حتى في بعض الأفلام المصرية آنذاك، وتغنت به الفنانة ليلى مراد عقب تأسيس هيئة التحرير في عام ١٩٥٣ من كلمات الصحافي الكبير جليل البنداري، ومن ألحان شقيقها منير مراد.
لا أستطيع أن أفترض أن ليلى مراد قدمت هذه الأغنية هكذا بمبادرة منها، فقد تزامنت الأغنية مع حملة لإقصاء ليلى مراد بتهمة التبرع لصالح اسرائيل، كان طبيعياً معها أن تفتش الفنانة الرائعة عن أي مناسبة تقدم بها الدليل على وطنيتها، ويمكن ملاحظة أن من قام بتلحين هذه الأغنية (النشيد) هو شقيقها منير مراد، بلون موسيقي لا يمت بصلة الى موسيقى منير مراد الشقية المشاغبة.
أما جليل البنداري، فلم يكن هذا النص الشعري يعكس لغته وقضايا قصائده، على أية حال فقد جرت محاولة فاشلة لتسويق هذا الشعار “الاتحاد والنظام والعمل” كان من بينها تلك الأغنية التي لم يعد يذكرها أحد، وتقول كلماتها:
” عـلى الإله القوي الإعتماد * بالنظام والعمل والإتحاد
* إنهضي يا مصر يا خير البلاد * وإنعمي بالمجد إمضي للرشاد
بالإتحاد والنظام والعمل
* يالله يا قدير
* انت نعم النصير
* هب لنا الفلاح
* وحقق النجاح
* بالصبر في الكفاح
على الاله القوي الاعتماد * بالنظام والعمل والاتحاد”.
أمام شقة محمد رضوان، ترزي العائلة بشارع ترعة جزيرة بدران بروض الفرج، كان أول مقر لأول حزب أوحد مصري بعد ثورة يوليو (تموز)، تغيرت السياسة، وتغير اسم الحزب الأوحد الذي يشغل المقر نفسه، وبينما كنت أنتقل من الصف الأول الابتدائي بمدرسة أبو الفرج الابتدائية المشتركة، الى الصف الثاني الابتدائي بمدرسة اليازجي، أولى ثمار مشروع عبد الناصر لبناء مدرستين كل ثلاثة أيام، كانت مصر تنتقل من قبضة هيئة التحرير، الى قبضة الاتحاد القومي، وكان المقر المواجه لنافذة محمد رضوان الترزي، يغير لافتته، من هيئة التحرير، الى الاتحاد القومي.
لم أكن قد نضجت بعد بما يكفي لفهم ما يحدث في هذا المقر الواقع بين دكان أحمد الطرشجي عن يمينه، ومصنع النسر المصري للحياكة عن يساره، لكنني تململت لاحقاً وأنا أحاول أن أفهم الفارق بين “هيئة” التحرير وبين “الاتحاد” القومي، فهمت لاحقاً أن كلاً منهما كان محاولة لتأميم السياسة، أو وهماً بإمكان توحيد الطبقات والقوى والتوجهات كافة تحت راية تنظيم سياسي واحد.
يدعم هذا التصور، أن قرار عبد الناصر بإنشاء هيئة التحرير في ٢٣ يناير (كانون الثاني) عام ١٩٥٣، قد جاء بعد أسبوع واحد من قرار مجلس قيادة الثورة في ١٦ يناير١٩٥٣ بحل جميع الأحزاب السياسية، وهو القرار الذي لم يشمل آنذاك جماعة “الإخوان المسلمين”. لكنني ما زلت لا أعرف السر وراء اختيار تسمية “هيئة” الا أن تكون الحيرة وحدها هي سبب هذا الاختيار.
على أية حال، فقد جرى حل هيئة التحرير، في عام ١٩٥٧، عقب إقرار دستور ١٩٥٦، و في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٥٧ تقرر انشاء “الاتحاد القومي”ليحل محل هيئة التحرير، وليعمل طبقاً للمادة ١٩٢من دستور ١٩٥٦على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة ولحث الجهود على بناء الأمة بناء سليماً من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ما زالت صيغ البحث عن بديل لفكرة الأحزاب السياسية، عاجزة عن انتاج هذا البديل، فالحكم يريد أن يقود كل خيول السياسة بلجام واحد، لكنه حتى الآن لم يجد صيغة مقنعة لتوحيد اللجام.
في السياق نفسه، جرى حل الاتحاد القومي، وتأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي في عام ١٩٦٢ بديلاً عنه، لكن محاولات توحيد لجام السياسة في مصر تحت شعار الاتحاد الاشتراكي العربي “حرية- اشتراكية – وحدة” فشلت هي الأخرى، على الرغم من الجهد الهائل الذي شارك فيه صلاح جاهين وكمال الطويل وعبد الحليم حافظ، لتسويق تلك الرؤية وتسويغها، والتي تصدى لها أحمد فؤاد نجم بكل شجاعة في قصيدته الشهيرة “يعيش أهل بلدي” والتي يرفض فيها صيغة “تحالف قوى الشعب العاملة” وهي القوى الخمس الشهيرة آنذاك (العمال والفلاحون والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية) كانت صيغة فضفاضة، تحاول جمع الشامي ع المغربي، وكان بوسعي أن أطالع المشهد من نافذة محمد رضوان الترزي أثناء بروفة لبنطلون جديد بينما أستعد للانتقال الى الصف السادس الابتدائي، لأرى أن مقر الاتحاد القومي أصبح هو ذاته، مقر الاتحاد الاشتراكي العربي، وأن شعار “حرية واشتراكية ووحدة” قد حل محل شعار “الاتحاد والنظام والعمل”.
تعددت محاولات الحكم في مصر لتوحيد لجام السياسة، واستمر الأمر على ما هو عليه، حتى بعد هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧، ولم يكن بيان ٣٠ مارس (آذار) ١٩٦٨ بعد تسعة أشهر فقط من الهزيمة، سوى محاولة لرفع كفاءة اللجام.
كبرت أنا على بنطلونات محمد رضوان الترزي، وعرفت خياطين أشهر وأمهر، ثم تطورت بنطلوناتي ومعاطفي وبزاتي وربطات عنقي، لكن مصر لم تكن قد بلغت بعد طور تعدد أحزاب السياسة وأذواقها، ومرئياتها بشأن مسيرة وطن، ما زال الحكم فيه، حتى بعد انتصار عزيز في حرب أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٧٣، وبعد ثورتين فريدتين مطلع الألفية الثالثة، يفتش عن صيغة للاحتفاظ بوحدانية اللجام، على الرغم من تعدد الجياد.


