النفوذ الأميركي في المنطقة: من الوجود العسكري إلى الهيمنة التكنولوجية

حسناء بو حرفوش
الجيش الاميركي

الشرق الأوسط على مفترق طرق تكنولوجي بالغ الأهمية، حسب مقال في موقع “فورين بوليسي”، حيث قد يتحول نفوذ الولايات المتحدة بصورة كبيرة من حقول النفط إلى حقول البيانات في ظل رئاسة دونالد ترامب الثانية. ومع تسريع القوى الاقليمية انتقالها نحو الاقتصادات الرقمية، قد يعيد نهج ترامب في السياسة الخارجية تشكيل الدور الأميركي في المنطقة بصورة أساسية: من الوجود العسكري إلى الهيمنة التكنولوجية.

ووفقاً للمقال، “التحول واضح بالفعل في المشهد الرقمي المتسارع في المنطقة، حيث أصبحت شركات التكنولوجيا الأميركية مدمجة بصورة متزايدة في البنية الأساسية الحيوية. وقد يخلق تقاطع نهج ترامب في عقد الصفقات وطموحات الشرق الأوسط التكنولوجية فرصاً غير مسبوقة للنفوذ الأميركي. وتشير الاستثمارات الاقليمية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومبادرات المدن الذكية إلى تحول حاسم بعيداً عن هياكل القوة التقليدية. ومع تسابق هذه الدول لترسيخ نفسها كمراكز تقنية عالمية، من شأن التركيز الذي يوليه ترامب للديبلوماسية المؤسسية أن يسرع من هذا التحول، ما قد يخلق نموذجاً جديداً للعلاقات بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

ويتجاوز دور شركات التكنولوجيا الأميركية في هذا التحول مجرد الوجود التجاري، بحيث قد يعيد تشكيل هياكل الحكم والأنظمة الاجتماعية في جميع أنحاء المنطقة. وفي الوقت نفسه، قد يوفر هذا التحول الرقمي لترامب فرصة فريدة لتقليص البصمة العسكرية الأميركية مع الحفاظ على نفوذ الولايات المتحدة (أو حتى توسيعه) من خلال التكامل التكنولوجي. ويمثل هذا التحول التكنولوجي بالنسبة الى ترامب وقادة الشرق الأوسط، فرصة لإعادة تعريف ديناميكيات القوة الاقليمية من دون الاعتماد التقليدي على المعدات العسكرية وديبلوماسية النفط.

وخلال فترة ولاية ترامب الأولى، حفزت استراتيجيته الديبلوماسية “الأعمال أولاً” زيادة غير مسبوقة بنسبة 34% في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وساعد هذا النهج في ترسيخ وجود شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة في المنطقة، حيث استثمرت أمازون ويب سيرفيسز أكثر من 5 مليارات دولار في مراكز البيانات في الشرق الأوسط وشركات مثل غوغل وسعت خدماتها السحابية.

وغيّر هذا التحول الرقمي بصورة أساسية المشهد الاستثماري، بحيث تلعب الشركات الأميركية الآن دوراً مركزياً في تطوير المدن الذكية وتنفيذ حلول الذكاء الاصطناعي وتحديث الخدمات الحكومية في جميع أنحاء المنطقة. كما خلقت الزيادة في الاستثمار في التكنولوجيا تأثيراً متموجاً، حيث اجتذبت شركات التكنولوجيا الأميركية الأصغر حجماً والشركات الناشئة التي تتطلع إلى ترسيخ نفسها في هذه الأسواق الرقمية الناشئة. واستجابت الحكومات الاقليمية بتبسيط اللوائح وإنشاء مناطق تكنولوجية متخصصة لاستيعاب هذا التدفق من الخبرة الرقمية الأميركية.

وخلقت هذه الشراكة التكنولوجية قنوات جديدة للنفوذ الأميركي، ما يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على الأهمية الاستراتيجية من خلال البنية التحتية الرقمية بدلاً من الوسائل الديبلوماسية التقليدية. كما خلق دمج التكنولوجيا الأميركية في القطاعات الحيوية شكلاً من أشكال الترابط الرقمي الذي قد يكون أكثر ديمومة من الروابط العسكرية أو الاقتصادية التقليدية.

وتمثل الشراكة الناشئة مع دول الشرق الأوسط أكثر من مجرد فرصة اقتصادية. فهي تدل على تحول أساسي في كيفية عمل النفوذ الأميركي في المنطقة. وتلعب شركات التكنولوجيا الأميركية الآن أدواراً محورية في مجالات كانت مخصصة تقليدياً للديبلوماسية الحكومية. وقد تطورت العلاقة بين شركات التكنولوجيا والحكومات الاقليمية إلى ما هو أبعد من الديناميكيات البسيطة، بحيث تعمل الشركات الأميركية بصورة متزايدة كشركاء استراتيجيين في مبادرات التنمية الوطنية. وقد سهلت هذه الشراكات نقل المعرفة وبناء القدرات، ما ساعد الحكومات المحلية على تطوير قدراتها الرقمية الخاصة مع الحفاظ على الاعتماد على الخبرة التكنولوجية الأميركية. كما خلق التحول الرقمي قنوات جديدة للتبادل الثقافي، حيث تؤثر ثقافة الابتكار على ممارسات الأعمال المحلية ونماذج الحوكمة.

الاستبداد الرقمي

ومع ذلك، يحمل هذا التحول الرقمي مخاطر كبيرة خصوصاً في ما يتعلق بوضع المستخدمين تحت المراقبة. والواقع أن هذا التحول التكنولوجي لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى العالم الرقمي. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت الولايات المتحدة أكثر حرصاً على استخدام التكنولوجيا الغربية في مراقبة مواطنيها، وتمكينهم من ذلك. ويشير استعداد ترامب الواضح لإعطاء الأولوية للمكاسب الاقتصادية على مخاوف حقوق الإنسان خلال ولايته الأولى إلى أن ولايته الثانية قد تؤدي إلى تسريع هذا الاتجاه نحو “الاستبداد الرقمي”.

والآثار الأمنية المترتبة على هذا التحول التكنولوجي عميقة بالقدر نفسه. فبناء على مبيعات الأسلحة التي حققها ترامب خلال ولايته الأولى – والتي تجاوزت 150 مليار دولار من المعدات العسكرية التقليدية – يبدو أن المنطقة على استعداد لسباق تسلح رقمي.

ومع ذلك، يمثل هذا التحول تحدياً معقداً لصناع السياسات الأميركيين. ويتطلب التوازن الدقيق بين الفرصة الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية دراسة متأنية لكيفية نشر التكنولوجيا الأميركية والافادة منها في المنطقة. فقد تقوّض إساءة استخدام تكنولوجيات المراقبة وأنظمة جمع البيانات المصالح الأميركية طويلة الأجل في تعزيز الديموقراطية وحقوق الإنسان. ومع تعمق الشراكات الرقمية، يتعين على صناع السياسات في الولايات المتحدة تطوير أطر قوية لمنع استغلال التكنولوجيا الأميركية لأغراض استبدادية. ويكمن التحدي في الحفاظ على المشاركة التكنولوجية مع تنفيذ الضمانات الفعّالة ضد الاساءة المحتملة.

ويجب أن يوازن هذا النهج بعناية بين الفرص الاقتصادية والقيم الديموقراطية لضمان أن يعزز الإرث الرقمي الأميركي الرخاء وحقوق الإنسان. ومع تزايد تحديد مستقبل الشرق الأوسط بالخوارزميات وليس النفط، سوف يعتمد نجاح هذا التحول التكنولوجي إلى حد كبير على مدى فعالية إدارة ترامب الثانية في التعامل مع هذه المصالح المتنافسة. وقد تحدد النتيجة ليس مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط وحسب، بل قد تشكل سابقة لكيفية تشكيل التكنولوجيا للديبلوماسية العالمية في القرن الحادي والعشرين.

وتمتد آثار هذا التحول التكنولوجي إلى ما هو أبعد من الاعتبارات الاقليمية، وربما تعيد تشكيل التوازن العالمي للقوى من خلال الوسائل الرقمية. وقد يؤسس هذا التحول نماذج جديدة للتعاون والمنافسة الدولية، بحيث يصبح التكامل التكنولوجي المقياس الأساسي للتأثير الديبلوماسي. وقد يؤثر نجاح هذا النهج أو فشله في الشرق الأوسط على كيفية تعامل الدول الأخرى مع تحولاتها الرقمية وعلاقاتها مع شركات التكنولوجيا الأميركية.

وأخيراً، قد تحدد فعالية هذه الديبلوماسية التي تركز على التكنولوجيا ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحافظ على مكانتها القيادية العالمية. وقد يمثل هذا التحول نحو الديبلوماسية التكنولوجية أحد أهم التحولات في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، وربما يؤسس إطاراً جديداً لكيفية ممارسة الدول النفوذ في العصر الرقمي”.

شارك المقال