حدد الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في خطابه ما بعد موافقة الحزب على إتفاق الهدنة، وفقاً للمقترح الأميركي، معالم المرحلة المقبلة، والتي من الواضح أن ”حزب الله” فيها سيغلّب الجانب السياسي على الجانب العسكري، بحيث اختصر قاسم المرحلة المقبلة بخمس نقاط تركزت على إعادة الإعمار، وإعادة تشكيل السلطة، وإنتخاب رئيس للجمهورية، والحفاظ على الوحدة الوطنية تحت سقف اتفاق الطائف، والتحاور والتشاور مع كل القوى السياسية والحفاظ على وجود ودور “حزب الله” سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، أما النقطة الخامسة والأهم فكانت حول السلاح والاشارة إلى الدفاع عن لبنان بتعزيز قوة الدولة اللبنانية خصوصاً الجيش اللبناني، فاتحاً الطريق أمام آلية جديدة للبحث في الاستراتيجية الدفاعية.
غير أن قاسم لم يتطرق بعمق الى حيثيات الحرب المدمرة التي تعرض لها الحزب ولبنان، عقب فتح جبهة “الإسناد والمشاغلة”، نصرة لغزة، التي لم تمنع العدو الاسرائيلي بآلته العسكرية التدميرية والهمجية من إبادة القطاع، وتحقيق مخططه “الجهنمي” بإزالتها عن خريطة فلسطين، في إطار هدفه “الكبير” والاستراتيجي إجهاض القضية الفلسطينية، وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية على التراب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، ثمة رأي داخل “حزب الله”، بأن الشهيد يحيى السنوار قد ورّط الحزب من خلال وضعه في موقف حرج، عندما أبلغه قبل نصف ساعة فقط بنيته تنفيذ عملية الهجوم على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، ما جعل الحزب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الامتناع عن التدخل وتحمل اتهامات بعدم مساندة غزة، أو الدخول في معركة قد يتهم بسببها بتوريط لبنان في حرب لا مصلحة له فيها. فاختار الحزب اتخاذ قرار وسط “ما بين الخيارين” بفتح الجبهة جنوباً مع العدو الاسرائيلي بصورة محدودة (من باب رفع العتب)، مع الالتزام بقواعد الاشتباك المعمول بها، لكنه حين أعلن فتح جبهة جنوب لبنان لإسناد غزة لم يتوقع أن تمتد الحرب لأكثر من أسبوعين إلى شهر على أبعد تقدير، كما أنه لم يتوقع أن تتطور الى حرب مواجهة مفتوحة وشاملة، خصوصاً وأن الحزب دخل تلك المعركة من دون استعداد كافٍ، مع تسجيل اختراقات كبيرة في صفوفه، فضلاً عن أن الجيش الاسرائيلي امتلك قاعدة بيانات استخبارية ضخمة جمعها على مدى سنوات، ما مكنّه من القيام بأوسع عمليات إغتيال وتصفيات لقادته وفي مقدمهم الأمين العام “الرمز” الشهيد حسن نصر الله، اضافة الى استهداف مخازن أسلحة الحزب وصواريخه، وإضعاف قدراته.
أمام ذلك، وعلى الرغم من “الملاحم” البطولية التي سطرها مقاتلو الحزب البواسل دفاعاً عن الجنوب، التي ساهمت في حفاظ الحزب على “ماء وجهه” إزاء الضربات الموجعة، كان لافتاً ومستغرباً عدم تعاطي قاسم بموضوعية وجرأة مع ما إذا كان قرار الحزب بفتح جبهة الجنوب، قراراً صائباً أم خاطئاً؟ وما إذا كانت الكلفة الباهظة التي تكبّدها الحزب وبيئته ولبنان بأسره، حالت دون رضوخه للقبول بإتفاق على وقف لاطلاق النار، حقق لاسرائيل مكاسب لم تكن هي نفسها تعتقد بإمكان إنتزاعها؟ (من دون أن نعني تخاذل الحزب، بل اضطراره الى القبول بالاتفاق أمام حجم الدمار الهائل وأعداد الشهداء والجرحى من ضحايا الاجرام الاسرائيلي، اضافة الى المعاناة المأساوية لمئات الآلاف من النازحين، وأخيراً التقدم البري لقوات الغزو الاسرائيلي في العمق اللبناني).
ما بعد الخطاب، استحضر في أذهان اللبنانيين عموماً وجمهور الحزب خصوصاً، كيف كان الشهيد حسن نصر الله يتعامل مع أي حدث صغيراً كان أم عظيماً (كحرب الإسناد) بموضوعية وشجاعة على مقاربته مستنداً الى المعطيات والحقائق، مهما تكن صعبة ومؤلمة، مقارنين بينه وبين “السيد”، خصوصاً أنه جاء من بعد الاغتيالات العديدة التي طاولت معظم الرعيل الأول من مؤسسي “حزب الله” وكان تعيينه مفاجئاً، بسبب دوره السياسي والتنظيمي، لكنه كان المرشح الوحيد في فترة تمر بها هيكلية الحزب بضعف بنيوي وتفكك لمفاصله.
إطلالات قاسم التي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة حتى الآن أظهرت أن نصر الله سيكون الحاضر الغائب لفترة زمنية طويلة، ذلك أن الأخير تحول إلى رمز في ذهن بيئته الحاضنة، وربما عند خصوم الحزب وأعدائه، خصوصاً أن كل خطابات قاسم مسجلة، ما يضفي عليها برودة وجموداً، وهو لن يستطيع أن يخطب وأن يرتجل في العلن، بعد كل التهديدات الاسرائيلية وخصوصاً عبر وزير الدفاع الاسرائيلي السابق يوآف غالانت الذي علق على توليه المنصب أنه سيكون “موقتاً ولن يبقى طويلاً”.
لا شك في أن من الظلم والإجحاف بحق قاسم مقارنة الشخصيتين، فهو يفتقد صفات ومزايا ومواهب كثيرة كان يتمتع بها بالفطرة “السيد”، أبرزها مواهب الخطابة والصوت و”الكاريزما” والهالة التي كان يملكها ويتقنها، وهي صفات غير سهلة للاستبدال، مع ضرورة الأخذ في الإعتبار أن قاسم كان يميل إلى العمل خلف الكواليس أكثر من الظهور العلني، ما حدّ من تأثيره الجماهيري، وجعل منه شخصية داخلية ذات تأثير محدود داخل الحزب وخارجه.
بعد اغتيال نصر الله، حضرت عدة قيادات إيرانية رفيعة إلى بيروت بصورة معلنة أو غير معلنة، منها وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان الايراني محمد باقر قاليباف، وضباط من الحرس الثوري “للاطمئنان” الى أوضاع الحزب، كما خرجت تقارير تحدثت عن أن إيران عينت “وصياً” موقتاً على الحزب، وهو فلاح زادة، قائد كبير في “الحرس الثوري”، وكان ظلاً لقاسم سليماني، بحيث لم يتطلب تعيين قاسم أي إجراءات تنظيمية داخل الحزب، ولم يترتب عليه أي تغيير في بنية الحزب السياسية، وكانت مهمة فلاح زادة حينها، فقط المساعدة في إدارة الحرب مع إسرائيل وتأمين الاتصال والدعم اللوجيستي للحزب. فنعيم قاسم، معروف بنزعته السياسية وعدم تمتعه بصفات عسكرية واضحة، فضلاً عن أنه ليس “سيداً”، ولهذا الأمر دلالات عدة داخل مفهوم الحزبيين العقائديين، ومع ذلك قد يكون الخيار الأنسب لهذه المرحلة، إذ إنه من الوجوه البارزة داخل الحزب التي لم تعرف بدورها العسكري، بل بعملها الفكري والسياسي، وسبق له أن كتب عديداً من المؤلفات التي تشرح عقيدة الحزب ورؤيته الاستراتيجية.
قد يواجه قاسم صعوبات للإمساك بمفاصل الحزب وأجنحته السياسية والعسكرية والمؤسساتية، لأنه يحتاج إلى العناصر التي تجعل منه زعيماً بالوزن والثقل نفسيهما اللذين كانا لنصر الله، سواء داخل الحزب أو على المستوى الاقليمي والدولي. فهل تولي قاسم منصب الأمانة العامة للحزب، موقتاً، أم أن المرحلة المقبلة التي سيسلكها الحزب تتطلب بقاءه بصورة دائمة في منصبه؟
من هذا المنطلق، يمكن القول إن اختياره قد يكون خطوة نحو “إعادة تشكيل” دور الحزب ليصبح أكثر تركيزاً على الشؤون السياسية والداخلية اللبنانية، إضافة إلى تعزيز انخراطه في مؤسسات الدولة والمجتمع، فضلاً عن أن “حزب الله” قد يكون يخطط لمرحلة الانتقال من المواجهة العسكرية إلى مرحلة المواجهة السياسية، والتي قد تشكل تحدياً كبيراً له، إذ بنى سمعته وقاعدته الشعبية على فكرة “السلاح”.
بناءً عليه، فإن تعيين قاسم في منصبه، يمهد لانتخابه له وفقاً للنظم الداخلية للحزب، كخطوة نحو تهيئة القاعدة الشعبية لهذه التحولات، وإعادة توجيه دور الحزب ليصبح أكثر توافقاً مع مطالب المرحلة المقبلة وتحدياتها، وذلك في ظل الضغوط الدولية والاقليمية المستمرة، والتي يعاني “حزب الله،” تحت وطأتها، للتخلي عن سلاحه والدخول بصورة كاملة في النظام السياسي اللبناني، إذ إن قاسم بصفته شخصية سياسية وبعيدة من الكاريزما العسكرية، قد يكون الأنسب لقيادة هذه المرحلة من الداخل، ويمكن أن يكون له دور محوري في تعزيز الخطاب السياسي للحزب وإيجاد مبررات لوجوده داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً مع تضاؤل الحاجة، مستقبلاً، إلى المواجهات العسكرية المباشرة.
أياً يكن خيار الحزب لدوره المستقبلي، وفي ظل بقاء قاسم في منصب الأمين العام، فإنه سيواجه صعوبات كبيرة في توحيد الهيئات المختلفة داخل الحزب، لأنه يحتاج إلى العناصر التي تجعل منه زعيماً بالوزن والثقل نفسيهما اللذين كانا لنصر الله، ما يؤكد أنه سيبقى أسيراً لرمزية “السيد” وطيفه وصفاته الراسخة الى حد “القداسة” في وجدان الحزب وجمهوره.


