مع بزوغ فجر الأربعاء 27 تشرين الثاني، بدأت ملامح مرحلة جديدة في الشمال السوري، حيث أُطلقت عمليات تحرير واسعة تحت اسم “رد العدوان” بقيادة غرفة العمليات المشتركة، التي تضم “هيئة تحرير الشام” وفصائل من الجيش السوري الوطني. تهدف العملية إلى استعادة المناطق التي هجّر منها المدنيون خلال السنوات الماضية على يد النظام السوري وحلفائه من الميليشيات الايرانية، في خطوة وصفتها الجهات المشاركة بأنها “حق مشروع لإعادة الأهالي إلى منازلهم وقراهم”.
تقدم ميداني بارز
بدأت العمليات العسكرية فجر الأربعاء بتحرير “الفوج 46″، أحد أبرز القطعات العسكرية في ريف حلب الغربي، قبل أن تتوسع باتجاه مدينة حلب مروراً بريفها الجنوبي. وخلال هذه التحركات، تمكنت القوات من السيطرة على عدة مواقع استراتيجية، أبرزها خان طومان وبلدة الحاضر ومركز البحوث العلمية والراشدين وحلب الجديدة، وصولاً إلى إحكام السيطرة على مدينة حلب بصورة كاملة. على أسوار مدينة حلب، دخلت القوات في مفاوضات مع قوات النظام المتمركزة في الأكاديمية العسكرية والكلية العسكرية بمنطقة الراموسة، ما أدى إلى انسحابها وتسليم الثكنات من دون قتال، في خطوة حاسمة لتأمين المدينة.

لم تتوقف العمليات عند حدود حلب، حيث انطلقت في اليوم الثالث نحو ريف إدلب، لتستعيد السيطرة على مدينة سراقب الاستراتيجية، التي تعد نقطة تقاطع الطريقين الدوليين M4 وM5. بعدها توجهت القوات إلى معرة النعمان وخان شيخون، حيث واجهت مقاومة من الميليشيات الايرانية و”حزب الله”، إلا أنها تمكنت من تأمينها. وفي اليوم الرابع، سيطرت القوات على مطاري حلب الدولي، والنيرب، ومن ثم امتدت العمليات إلى ريف حماة، حيث تم تحرير مدن رئيسية مثل مورك واللطامنة وقلعة المضيق. كما وضعت القوات جبل زين العابدين الاستراتيجي نصب أعينها، في إطار جهود تأمين المنطقة بصورة كاملة. وصرّح مصدر في غرفة العمليات المشتركة لموقع “لبنان الكبير” بأن العمليات العسكرية لا تزال في مرحلتها الأولى، مع وجود خطط لمراحل لاحقة أكثر شمولاً. وأكد أن ما تم إنجازه حتى الآن يشكّل المسمار الأخير في نعش النظام.
وأوضح الناشط قصي الحسين، وهو من أبناء المنطقة التي سيطرت عليها غرفة العمليات المشتركة، أن الوضع في ريف إدلب الجنوبي يعتبر ذا أهمية استراتيجية بالغة، حيث يمر فيه طريق M5 الدولي الذي يصل بين حلب ودمشق، وهو ما يعزز السيطرة على مدن مثل معرة النعمان وخان شيخون، التي تم تحريرها مؤخراً. كما أن هذه المنطقة تعد حلقة وصل حيوية بين جبل شحشبو وسهل الغاب، وتمثل نقطة ربط مهمة بين ريفي إدلب وحماة.
وأكد الحسين أنه لمس خلال لقائه بعدد من الثوار والقيادات العسكرية المشاركة في المعركة، عزيمة وإصراراً على التقدم، بحيث لا يقتصر هدفهم على تحرير إدلب وحلب فقط، بل يمتد إلى مناطق أخرى. وأشار إلى أن الأنظار تتجه الآن نحو مدينة حماة، حيث يسعى الثوار الى التقدم نحو ريفها الشمالي والغربي، ومحاولة السيطرة على جبل زين العابدين الاستراتيجي، ما سيسهل السيطرة على المدينة بالكامل.
ولفت المصدر إلى أن السيطرة على “الفوج 46” في البداية كانت رسالة قوية تعكس قدرات الفصائل وقوة الهجوم، وهو ما أثار ذعر الميليشيات الايرانية ودفعها إلى التراجع تدريجياً حتى انسحابها الكامل من المنطقة. كما أكد أن الهدف الأساسي للعملية هو إعادة جميع النازحين إلى منازلهم وتأمين المناطق المحررة بصورة كاملة. وأوضح محمد كفرنبل الناشط الصحافي من أبناء القرى التي سيطرت عليها غرفة العمليات المشتركة، والذي واكب عمليات التحرير منذ بدايتها، أن العملية انطلقت من “الفوج 46” في ريف حلب الغربي، أحد أكبر المواقع العسكرية، ثم امتدت إلى ريف حلب الجنوبي وصولاً إلى مناطق أخرى في محيط مدينة حلب. وأكد أن الانطباع العام في الشارع مؤيد بقوة لهذه العمليات، خصوصاً أن ملايين المهجرين قسراً من هذه المناطق ينتظرون العودة بعد تهجير استمر من 5 إلى 13 عاماً.

واذ اعتبر العقيد الركن الطيار عبد الله الحمدان في حديثه لموقع “لبنان الكبير” أن التقدم السريع والسيطرة على مواقع استراتيجية مثل “الفوج 46″، مطار حلب الدولي، مطار النيرب، معامل الدفاع، جبل عزان، الأكاديمية العسكرية، الكلية العسكرية، كانا من أبرز نتائج العملية، أشار الى أن التخطيط العسكري المحكم والادارة الموحدة ساهما في هذا التقدم، بالاضافة إلى ضعف الدعم الجوي الروسي في المرحلة الحالية. كما لفت إلى أن المعارضة استخدمت للمرة الأولى طائرات مسيّرة محلية، استهدفت بها طائرات مروحية في مطار النيرب العسكري، ما يعكس نقلة نوعية في التكتيكات المستخدمة.
واتفق الحسين مع الحمدان، على أن العوامل التي ساهمت في نجاح عملية “ردع العدوان”، هي التنظيم العالي والتنسيق بين الفصائل المشاركة، بالاضافة إلى الإعداد الجيد للقوات، الذي كان من أبرز أسباب التقدم. وأضاف: “ان الأهم من ذلك هو أن الثوار يحملون قضية عادلة، وصاحب الحق لا بد من أن يحقق النصر في النهاية”.
بينما أوضح الحمدان، أن الهدف الجغرافي للعملية العسكرية الحالية يظل مفتوحاً، بحيث تتحكم المتغيرات الميدانية والانهيارات المتتالية لقوات النظام وحلفائه من الميليشيات الايرانية في رسم معالمها. وأكد أن الفصائل المشاركة لم تحدد هدفاً نهائياً، مكتفية بالإعلان أن الغاية هي رد العدوان وإعادة المهجرين إلى منازلهم، ما يعني أن العملية قد تستمر وتتوسع. وقال: “إن ما بعد السيطرة على مناطق خفض التصعيد لن يكون كما قبلها، فبعد حلب، تتجه الأنظار نحو حماة، ولكن يتطلب الأمر ضبط الميدان وتعزيز التحصينات لمواجهة أي هجوم معاكس قد يشنه النظام وحلفاؤه، خصوصاً بعد امتصاصهم الهجمات”.
بالتوازي مع هذه العمليات، أطلق الجيش السوري الوطني المدعوم من تركيا حملة واسعة في ريف حلب الشرقي، تمكن خلالها من السيطرة على مطار كويرس العسكري، الذي كان يعد قاعدة مهمة لإيران. وأسفرت هذه السيطرة عن الاستيلاء على منظومات دفاع جوي متطورة مثل “بانتسير” و”أوسا”، بالاضافة إلى طائرات مسيرة من طراز “أبابيل-3” إيرانية الصنع وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة. على الرغم من محاولات قوات سوريا الديموقراطية استغلال الوضع للسيطرة على المطار، تمكنت فصائل غرفة عمليات فجر الحرية من إحباط هذه التحركات، وإعادة السيطرة على تل رفعت والقرى المحيطة، مؤكدة استمرار العمليات حتى تأمين كامل ريف حلب الشرقي.
التفوق الجوي والمكتسبات العسكرية
وأشار الحمدان إلى أن الفصائل تمتلك الآن أدوات تمنحها تفوقاً جوياً غير مسبوق، مثل منظومة الدفاع الجوي “بانتسير إس-1″، التي يمكنها تدمير 32 هدفاً في التخزين الواحد والتعامل مع 4 أهداف جوية على ارتفاع يزيد عن 20 كيلومتراً. وأكد أن هذه القدرات تشكل تحدياً كبيراً للطيران الروسي والسوري، إلى جانب منظومة “أوسا”، التي قد تحد من فاعلية المروحيات الهجومية.
وشدد الحمدان على أن تفعيل هذه المنظومات يتطلب كوادر متخصصة، داعياً إلى الاستعانة بالضباط المنشقين فهم مدربون على تشغيلها لفرض مظلة حماية جوية، ما سيساهم في تغيير المعادلة الميدانية ودفع النظام إلى القبول بحل سياسي، ولكن هذه المرة بشروط تفرضها المعارضة. وأوضح أن الأهداف لا تقتصر على المكاسب الميدانية، بل تمتد إلى إعادة تحريك الملف السوري دولياً، بعد سنوات من الجمود. وتهدف هذه العمليات إلى إجبار الأطراف المختلفة على العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن بشروط جديدة تضمن حقوق الشعب السوري.
خطوات لعودة النازحين والنظام يستهدف منشآت مدنية
وصرح مصدر في غرفة العمليات المشتركة بأن الفصائل العسكرية تعمل حالياً على تنظيف المنطقة وإزالة الألغام ومخلفات الحرب تمهيداً لعودة الأهالي المهجرين قسراً إلى مناطقهم.
وقال محمد كفرنبل، في حديثه لموقع “لبنان الكبير” إن عمليات عودة النازحين لم تبدأ بعد، إذ ما زالت هناك إجراءات أمنية يجب اتخاذها، مثل إزالة الألغام والمتفجرات وتأمين المنطقة بصورة كاملة عبر إدخال قوات الأمن الداخلي لضبط الأوضاع. وأكد أنه تم العثور على خلايا تابعة للنظام في بعض المناطق، ما يستدعي المزيد من عمليات التمشيط والتنظيف لضمان عودة آمنة للسكان.
وأشار إلى أن المنطقة بحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية لتوفير مقومات الحياة الأساسية، لافتاً إلى أن العديد من المنازل تعرض لأضرار جزئية وكاملة، ما يتطلب زيارات ميدانية لتقييم حجم الأضرار وتحديد الأولويات لإعادة الإعمار.
كما تطرق كفرنبل إلى القصف المستمر من قوات النظام، وقال: “كعادته، بدأ النظام باستهداف المنشآت المدنية، بما في ذلك الأحياء السكنية في حلب، مثل منطقة الدوار، بالاضافة إلى استهداف مخيمات النازحين ومحطات الوقود وأفران الخبز في إدلب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.