حرب سوريا المتجددة بأبعاد “انترناسيونال”!

جورج حايك

تصدّرت الحرب المتجددة في سوريا الاهتمامات الدولية، بعد هجوم قويّ شنّته فصائل سوريّة معارضة للنظام السوري على ادلب وحلب وحماة، ولا شك في أن ما يحصل ليس بسيطاً ومجرد عمل عسكري انتقامي من النظام وحلفائه، إنما يرتبط بحسابات اقليمية وأبعاد دولية ليست خافية على أحد.

واللافت أن الأرض متحرّكة في سوريا وليست ثابتة، نتيجة غياب الحلول المستدامة، فسيطرة رئيس النظام السوري بشار الأسد بفضل دعم روسيا وإيران وميليشياتها على الجزء الأكبر من الأراضي السورية كان دائماً مهدداً مع وجود تنظيمات مسلّحة مثل “هيئة تحرير الشام” و”قوات سورية الديموقراطية” وحتى “داعش”، على الرغم من التناقضات بينها وأهدافها المختلفة.

وليس سراً أن هذه التنظيمات كانت تتحيّن الفرص وتنتظر ظروفاً دولية لتعاود نشاطها، واسترداد ما خسرته منذ قمع الثورة السورية عام 2016.

قد يكون هذا الجانب المحلي الداخلي من الأزمة السورية، لكن حتماً ما يحصل في سوريا يُطلِق عليه مسؤول أميركي عن مركز دراسات مخصص للشرق الأوسط وإفريقيا بأنه “انترناسيونال” وليس محلياً فقط.

من الواضح أن “هيئة تحرير الشام” التي كانت “جبهة النصرة” ومركز نفوذها في ادلب وهي مصنّفة كمنظمة ارهابية في وزارة الخارجية الأميركية، مدعومة من الدولة التركية، وقد اختارت توقيت الهجوم وفق ما يحدث في لبنان، وفور إعلان وقف إطلاق النار بين اسرائيل و”حزب الله”، مستغلة أن تل أبيب ألحقت أضراراً كبيرة بمحور الممانعة الايراني، وخصوصاً “الحزب”، وانشغال روسيا بمعركتها في أوكرانيا، فوجدت أن الظروف مناسبة للإنقضاض على الأسد، وكان ظنّها في محله نتيجة ضعف سلطة الأخير. في المقابل، استعاد النظام السوري قليلاً من أنفاسه وبدأ في مواجهة الفصائل أمس مدعوماً بغطاء جوي روسي وانخراط الميليشيات الايرانية في الصراع.

يعتبر المسؤول عن مركز الدراسات أن روسيا اليوم هي غير روسيا عام 2016، فهي منخرطة على نحو كامل في قتالها بأوكرانيا، ولكن لديها قوات في سوريا بما في ذلك الطائرات الحربية وطائرات الهليكوبتر الهجومية والشرطة العسكرية والجنود المنتشرين في 20 قاعدة. إلا أن من غير المنطقي أن تكون القوة الجوية وحدها كافية لصد الفصائل. أما “حزب الله” المنهك من الحرب الاسرائيلية في جنوب لبنان فلا يبدو قادراً على حشد عدد كبير من المقاتلين كما في السابق، لذا يجد الروس و”الحزب” أنفسهم في موقف صعب في سوريا. مع ذلك لن يتركوا الأسد وحيداً.

من جهتها، تتهيّب إيران ما يحصل وتشعر أنها المستهدفة الأولى من هذا التحرّك العسكري الدراماتيكي الذي سيؤدي إلى قطع طريق الامدادات بينها وبين “الحزب” في لبنان. وقد فرض الحدث نفسه على وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي الذي كان يفترض به أن يلتقي نظيره التركي في أنقرة يوم الأحد الفائت، لكنه بدلاً من ذلك طار إلى دمشق لتقييم الوضع في سوريا.

ولا يختلف إثنان على أن تركيا هي اللاعب الأساسي في هذه الحرب، وفق المسؤول عن مركز الدراسات الشرق أوسطيّة، وقد سعت الحكومة التركية في الأعوام الأخيرة إلى تطبيع العلاقات مع سوريا. وكان هذا يمثل تحولاً كبيراً بالنسبة الى أنقرة، التي طالبت بإنهاء نظام الأسد بعد اندلاع الحرب الأهلية في العام 2011 واحتلال الأراضي في شمال غرب سوريا. لكن الأتراك أعادوا مؤخراً تقييم مبادراتهم تجاه النظام، ورأوا أن وضعه هو الأضعف في ظل انشغال داعميه، لذلك للرئيس التركي رجب طيب اردوغان اليد الطولى في هذا الهجوم العسكري لتمكين المعارضة السورية التي تتشابه معه في العقيدة الدينية بانتمائها إلى حركة “الأخوان المسلمين”، وقد ساعد سابقاً الثورات العربية المُشابهة سواء في مصر أو في دول أخرى. وتطمح تركيا إلى دور كبير في سوريا ما بعد الأسد، يتيح لها مواجهة المتمردين الأكراد وإبعاد خطرهم عنها. لكن المسؤول الأميركي عن مركز الدراسات يؤكّد أن مساندة تركيا للفصائل بهدف تغيير النظام في دمشق، من شأنه أن يضع أنقرة مرة أخرى في صراع مع الدول العربية الكبرى مثل العراق والامارات العربية المتحدة التي أشارت بالفعل إلى دعمها للأسد. ومن المفترض أن مصر والمملكة العربية السعودية تدعمان النظام السوري أيضاً نظراً إلى حذرهما من الجماعات السياسية الاسلامية التي تتمتع بالدعم التركي.

إلى جانب آخر، ليست إسرائيل بعيدة عن المسرح السوري المتفجّر، لأن كسر محور إيران وسوريا من شأنه بلا شك أن يفيد الأمن الاسرائيلي من خلال تقويض خط امدادات الأسلحة إلى “الحزب”. لكن في الوقت عينه، يفرض سقوط الأسد إذا حصل تحديات كبيرة على إسرائيل، وخصوصاً إذا وصل الاسلاميون المدعومون من تركيا إلى السلطة في سوريا، لأن هؤلاء، بطبيعة الحال، لا يختلفون بالعقيدة عن حركة “حماس”، وقد يشكّلون حليفاً لها خطراً على اسرائيل. لذلك، تعكف الحكومة الاسرائيلية على درس الربح والخسارة من تجدد الحرب السورية وإحتمال سقوط الأسد.

للوهلة الأولى، قد يظن البعض أن الولايات المتحدة الأميركية وفوز الرئيس دونالد ترامب له علاقة بما يحصل في سوريا الآن، إلا أن هذا ما يصب في خانة “نظرية المؤامرة”، فصحيح أن الرئيس الأميركي المنتخب يريد تغييراً في الشرق الأوسط لكن ليس عن طريق الحروب، والمعروف أن القوات الأميركية موجودة في سوريا في قاعدة التنف وهي تضم 900 جنديّ، مخصصين لدعم “قوات سوريا الديموقراطية” ضد تنظيم الدولة الاسلامية. ويعتبر المسؤول الأميركي أن واشنطن تراقب بحذر تمدد الفصائل السورية المعارضة، وربما تدفع سيطرتها على محافظات كبيرة مثل ادلب وحلب إلى تغيير مهمة الجنود الأميركيين. مع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً عما إذا كان هؤلاء الجنود سيبقون بعد تنصيب ترامب في 20 كانون الثاني المقبل. فخلال ولايته الأولى، تعهد مرتين بسحب هذه القوات، واختار بدلاً من ذلك تحت ضغط من مستشاريه إعادة نشر بعضها. لكن تماشياً مع رؤيته العالمية “أميركا أولاً”، فقد يختار هذه المرة سحبها بغض النظر عن الوضع في سوريا، التي لا تشكل حالياً تهديداً للأميركيين أو الوطن الأميركي.

قد تكون المواجهات المتجددة في سوريا اليوم في بداياتها وإسقاط النظام السوري ليس بهذه السهولة، وربما يعود التوازن إلى المشهد العسكري بعدما استوعب النظام صدمة الضربة الأولى مستفيداً من الدعم الجوي الروسي، وبدء حشد إيران لميليشياتها من العراق والاستعانة بما تبقى من “حزب الله” وبعض الميليشيات الايرانية الأخرى في الداخل السوري، لكن ما يجب الاعتراف به أن الفصائل السورية المعارضة تبدو اليوم أكثر تنظيماً وتجهيزاً، وليس واضحاً ما أعدته تركيا لمواجهة قد تكون طويلة، نعرف كيف بدأت إلا أننا لا نعرف كيف ستنتهي.

شارك المقال