ما الذي يقف على المحك بالنسبة الى الولايات المتحدة في سوريا بعد سقوط حلب؟ وفقاً لمقال في موقع “واشنطن بوست”، فان “الولايات المتحدة لا تستطيع إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، لكن لا ينبغي لها أن تدعمه”.
وبحسب قراءة ماكس بوت، “الحرب الأهلية السورية التي بدأت في العام 2011 لم تنته حقاً. وأودى القتال بحياة حوالي نصف مليون شخص وشرّد أكثر من نصف سكان سوريا. ولكن بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تفاوض عليه الزعيم التركي رجب طيب أردوغان والزعيم الروسي فلاديمير بوتين عام 2020، هدأ القتال وبقي بشار الأسد، المدعوم من روسيا وإيران، مسيطراً على جميع المدن الكبرى ونحو 70% من البلاد. وأدارت مجموعة متنوعة من جماعات المعارضة بقية البلاد، بما في ذلك القوات الكردية في الشمال الشرقي بمساعدة الجيش الأميركي.
واليوم، تحول المشهد الجيوسياسي بصورة كبيرة بعد الأخبار التي أفادت باستيلاء هيئة تحرير الشام على حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، بعد أن استعادها الأسد عام 2016. وتحاول الحكومة السورية مع داعميها في طهران وموسكو، وقف هجوم المتمردين. وقد تحركت خطوط المواجهة بالفعل جنوب حلب. والآن يخوض النظام السوري معركة للسيطرة على مدينة حماة.
وليس هناك ما يشير إلى تقدم قوات المتمردين نحو دمشق، على بعد أكثر من 200 ميل من حلب. لكن السرعة التي انهار بها الجيش السوري في حلب وحولها تطرح علامات استفهام حول مدى شعبية نظام الأسد وشرعيته والولاء الذي يتمتع به جنوده.
ويعتمد نظام الأسد منذ فترة طويلة على الدعم الأجنبي للبقاء، لكن جميع داعميه الأجانب ضعفوا في الأشهر الأخيرة. روسيا، المزود الرئيسي للأسلحة، تتكبد خسائر فادحة في أوكرانيا. كما أن حزب الله يخوض حرباً. وتكافح إيران، الداعم المالي والشريك الاستراتيجي للأسد، بسبب ضعف الاقتصاد وارتفاع تكاليف خوض معركة متعددة الجبهات ضد إسرائيل.
واستغلت هيئة تحرير الشام كل هذه النقاط، بعد سنوات من تدريب قواتها الخاصة وتجهيزها. وقد ساعدها الجيش الوطني السوري في هذا التقدم، واغتنم الفرصة لصد قوات سوريا الديموقراطية، التي تدعمها الولايات المتحدة كجزء من معركتها ضد تنظيم الدولة الاسلامية.
ومن منظور خارجي، قد تبدو الحرب السورية متعددة الجوانب معقدة للغاية بحيث يصعب فهمها. وبينما ليست هناك انقسامات واضحة، كما في حرب روسيا وأوكرانيا، يضع القتال الحالي جماعة صنفتها الولايات المتحدة (هيئة تحرير الشام) ضد دولة صنفتها على لائحة الإرهاب.
ومع ذلك، يزعم خبراء سوريا أن هيئة تحرير الشام، من منظور الولايات المتحدة، أفضل من نظام الأسد. وعلى الرغم من أن الهيئة بدأت كفرع من تنظيم القاعدة، قطعت علاقاتها منذ أكثر من عقد من الزمان.
وأشار ستيفن هايدمان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية سميث، إلى أن هيئة تحرير الشام تبذل جهوداً لإثبات قدرتها على أن تكون بديلاً قابلاً للتطبيق لنظام الأسد. لم تعد الحركة كما كانت عندما كانت تابعة لجبهة النصرة والقاعدة قبل أكثر من عقد من الزمان. وتحاول هيئة تحرير الشام جاهدة النأي بنفسها عن أي شكل متطرف. واقترح هايدمان أن تستكشف الولايات المتحدة إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، شريطة أن تفي بمتطلبات معينة، مثل حماية المسيحيين والأكراد وغيرهم من الأقليات في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وتقلصت طموحات الولايات المتحدة في سوريا بصورة جذرية على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية. وفي العام 2011، في بداية الانتفاضة، طالب الرئيس باراك أوباما الأسد بترك منصبه لكنه استبعد استخدام القوة العسكرية الأميركية. وفي العام التالي، هدد أوباما بأنه قد يلجأ إلى القوة إذا استخدم الأسد الأسلحة الكيميائية. ولكن في العام 2013، تجاوز الأسد الخط الأحمر، ورفض أوباما الأمر بشن غارات جوية. ومنذ ذلك التراجع المحرج، اقتصرت الولايات المتحدة إلى حد كبير على نهجها في سوريا في محاربة داعش ومحاولة التوصل إلى تسوية ديبلوماسية.
ولفت روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك مصلحة استراتيجية كبيرة حقاً في سوريا. ونظراً الى ما يحدث في جميع أنحاء العالم، من الصعب القول إن سوريا تشكل أولوية كبيرة. فهي مختلفة عن الخليج الفارسي أو إسرائيل. وأشار إلى أن أفضل ما قد تفعله واشنطن في ظل الظروف الحالية هو دعم تركيا في التفاوض مع روسيا لفرض وقف إطلاق نار جديد وبالتالي محاولة تجنب هجوم وحشي من جانب النظام لاستعادة حلب. ولكن هذا لم يكن ممكناً في العام 2016، ولكن قد يكون ممكناً اليوم لأن روسيا وإيران ليس لديهما القدر نفسه من الموارد التي يمكن إنفاقها نيابة عن نظام الأسد كما كان الحال في السابق. وإذا أمكن إعادة إرساء السلام في حلب وحولها، فقد يؤدي ذلك إلى عودة العديد من اللاجئين السوريين الذين يعيشون حالياً في لبنان وتركيا.
ومهما أتت النتيجة، يتعين على الولايات المتحدة انتهاج رؤية واضحة بشأن الحقائق التي كشف عنها سقوط حلب المفاجئ: وهي أنها لا تستطيع إطاحة الأسد، ولكن من المؤكد أنها لا يجب أن تدعمه أيضاً، من خلال تخفيف العقوبات أو منحه الاعتراف الدولي”.


