وقف إطلاق نار في غرفة العناية الفائقة!

جورج حايك
جنوب لبنان

يصح وصف وقف إطلاق النار بين اسرائيل و”حزب الله” بالهشّ، فمنذ 27 تشرين الثاني الفائت تتوالى الخروق بين الجانبين وخصوصاً اسرائيل في الجنوب اللبناني ما عرّض الإتفاق إلى نكسة كبيرة منذ ثلاثة أيام كادت أن تتحوّل إلى تصعيد يؤدي إلى إنهيار وقف النار. لكن تدخّلاً أميركياً بواسطة وزير الخارجية أنطوني بلينكن أعاد ضبط الأمور، مع ذلك لا تزال النار تحت الرماد.

منذ اليوم الأول لإعلان وقف إطلاق النار، بدا أن هناك سوء تفاهم لا يزال سائداً بين الطرفين، وهما راحا يتباهيان بالانتصارات وخصوصاً “الحزب”، فيما الواقع الذي لا يختلف عليه اثنان، وفق جميع المراقبين والصحافيين الدولين، أن “الحزب” تعرّض إلى ضربات نوعيّة من اسرائيل ومُني بخسائر كبيرة وتم فصله عن مساندة غزة وهنا بيت القصيد. لكن الكلام عن انتصارات بمعايير ايديولوجية، ليس الخطر الأساسي الذي يُعرّض وقف إطلاق النار للخطر، بل بنود الاتفاق المتعلّقة بالآلية التطبيقيّة والتي تشبه الألغام وممكن أن تفجّره في أي ساعة!

وتشرح مجموعة خبراء الأزمات الدولية أن التطبيق الصارم للقرار 1701 سيؤدي إلى تقييد قدرة “الحزب” على الحركة العملياتية، وهذا ما لم يحصل حتى اليوم بسبب عاملين: الأول لبناني داخلي يتعلّق بصعوبات لوجيستية تؤخّر سرعة انتشار الجيش اللبناني واستخدامه الحزم مع أي تحركات لـ”الحزب”، والثاني خارجي يتعلّق بتأخير في عمل اللجنة الأمنية الدولية برئاسة الولايات المتحدة الأميركية.

لا شك في أن الاتفاق نصّ على مهلة 60 يوماً لتطبيقه، إلا أن هذه المهلة تبدو محفوفة بالمخاطر، واسرائيل مستعجلة لتنفيذ الاتفاق وإبعاد خطر “الحزب” عبر نشر الجيش اللبناني ومبادرته إلى تفكيك ما تبقى من بنية عسكرية له في جنوب الليطاني، والهدف إعادة سكّان شمال اسرائيل إلى قراهم وعودة الاطمئنان إليها، ولعل هذا الأمر لم يتحقق حتى اليوم، ما يُشعر الحكومة الاسرائيلية بتمييع ما إتفّق عليه، فيما عاد بعض سكّان الجنوب اللبناني إلى قراهم، لذلك تتشدّد اسرائيل بمنع هؤلاء من العودة، كي تترافق عودتهم مع عودة سكّان الشمال، منعاً لاعتبار ذلك هزيمة.

ويلفت الخبراء إلى أن العقدة الأساسية الآن ليست في عودة السكّان من الجانبين، إنما في كيفية تنفيذ الاتفاق عملياً، فالقضايا الرئيسية لا تزال من دون حل، بما في ذلك كيفية فرض “آلية مراقبة” جديدة بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا. إضافة إلى التفسير المبهم لبند “احتفاظ كل من إسرائيل ولبنان بالحق الصريح في استخدام القوة دفاعاً عن النفس”، فإن هناك خطراً كبيراً يتمثل في أن تؤدي ترجمة هذه البنود على الأرض إلى إضعاف وقف إطلاق النار الهشّ أو تحطيمه. وبالفعل، وجّهت اسرائيل، في الأيام التي تلت دخول الهدنة حيز التنفيذ، ضربات متعددة إلى قواعد عسكرية لـ”الحزب”، مشيرة إلى انتهاكات من جانبه تشكّل تهديداً مباشراً لها. وفي الثاني من كانون الأول، رد “الحزب” بإطلاق قذائف الهاون على هدف في منطقة متنازع عليها غير مأهولة على الحدود الاسرائيلية اللبنانية، ووصف الهجوم بأنه “تحذير”. وإذا استمر هذا النمط، فقد ينهار الاتفاق. وقد أعرب المسؤولون الأميركيون عن قلقهم إزاء هذا الاحتمال. وهناك احتمال آخر يتمثّل في أن يسعى الجانبان إلى وضع “قواعد جديدة للعبة” تستمر بموجبها عمليات تبادل إطلاق النار المنخفضة الشدة. علماً أن ما يتضمنه الاتفاق أيضاً، وهو الأكثر خطورة على لبنان، تعهّد الدولة اللبنانية بمنع دخول الأسلحة غير المصرّح بها إلى البلاد وتفكيك البنية التحتية العسكرية لـ”الحزب” في شمال الليطاني أيضاً، وإن لم يكن هناك إطار زمني محدد لهذه المهام.

والخطر الأكبر على الاتفاق سيأتي من التفسير المبهم للترخيص الذي أعطته واشنطن لتل أبيب بمنع أي تهديد عسكري محتمل ينبثق من داخل لبنان، بل قيل إن هناك رسالة جانبية للاتفاق تؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة سوف تتبادلان المعلومات الاستخباراتية حول الانتهاكات المحتملة لـ”الحزب”، وأن إسرائيل لها الحق في الرد على التهديدات من لبنان، بما يتفق مع القانون الدولي، وأنها تستطيع دخول المجال الجوي اللبناني لأغراض المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية. وكل هذه البنود المعلنة وغير المعلنة لم يهضمها “الحزب”، وإذا طُبّقت حرفياً فلن تبقى من دون ردّ منه، ما سيهدّد الاتفاق ويفرغه من محتواه.

وتعتبر مجموعة خبراء الأزمات الدولية أن الاتفاق لا يُقدّم أي تفاصيل حول كيفية استجابة الآلية للشكاوى أو كيفية حلها جنباً إلى جنب مع حق إسرائيل ولبنان في اتخاذ إجراءات عسكرية دفاعاً عن النفس. وإذا كانت الآلية غير قادرة على إدارة النزاعات التي تُعرض عليها، فمن المرجح أن تزداد فرص تجدد الصراع.

لكن لا يُخفى على أحد أن لـ”الحزب” المُدمّر مصلحة في وقف إطلاق النار أكثر من اسرائيل، بهدف التقاط أنفاسه بعد الحرب الطاحنة التي تعرّض لها، لذلك يجري تحركات في جنوب الليطاني قد تكون مقنّعة بعودة “الأهالي”، وهذه المحاولات دأب عليها فور إعلان القرار 1701 مباشرة بعد حرب تموز 2006، وهو سيسعى إلى إستعادة مواقعه ولو بعد فترة، في الخطوط الأمامية، علماً أن اسرائيل في رصدها تبدو هذه المرة أكثر دقة، وهذا ما يبرر قصفها لـ”الحزب” وفق مجموعة خبراء الأزمات الدولية.

عموماً من الصعب التمييز بين الأهالي وعناصر “الحزب” الذين يتحدّر العديد منهم من الجنوب، ومن المؤكّد أن عودة هؤلاء إلى البلدات والقرى الحدودية محاولين تكريس “انتصار” ولو بعد حين، من شأنه أن يتسبّب في احتكاك مع إسرائيل.

وترى مجموعة خبراء الأزمات الدولية أن “الحزب” لا يزال يمارس، بعد الحرب، فائض القوة على المسؤولين الرسميين في الدولة اللبنانية، ويحاول التملّص من الاحتكاك بالجيش اللبناني المكلّف بتفكيك بنيته العسكرية في جنوب الليطاني وشماله، وفق الاتفاق المبني على القرار 1701، وهذا ما أبداه رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد معتبراً أن قدرة “الحزب” على المقاومة لا تزال صالحة ولم يعف عنها الزمن.

لكن مجموعة خبراء الأزمات الدولية توضح أن الجيش اللبناني لا يستطيع التلكؤ والأنظار الدولية تتجه اليه، بل سيكون مسؤولاً عن تنفيذ العديد من التزامات لبنان، وهو مكلّف بمهمة تفكيك البنية العسكرية لـ”الحزب” بالتراضي أو بالقوة، لكن لا يستبعد هؤلاء أن تواجه المؤسسة العسكرية الصعوبات لأن الثنائي الشيعي يتمتع بنفوذ كبير في حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها نجيب ميقاتي، بما يكفي لمنع الحكومة من إصدار تعليمات للجيش بتنفيذ المهام الموكلة إليه. وهذا ما تتوجّس منه اسرائيل لاقتناعها بأن الحكومة اللبنانية سوف تتجنب نشر الجيش لمواجهة “الحزب” بالقوة، وهو ما من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى اشتباكات عنيفة للجيش مع “الحزب” الذي لا يزال قوياً، وربما يدفع هذا الأمر عدداً من الجنود الشيعة في الجيش إلى الفرار.

هذا كلّه يجعل من وقف إطلاق النار حالة هشّة، بل لا يزال في غرفة العناية الفائقة خلال 60 يوماً، يمكن أن تحصل فيها إنتكاسات كبيرة، إن لم يكن إنهيار للإتفاق بمجمله.

وتتساءل مجموعة خبراء الأزمات الدولية: هل الجيش اللبناني قادر عدداً وعديداً وعتاداً على منع مرور الأسلحة غير المصرّح بها عبر الحدود الممتدة على مسافة 320 كيلومتراً مع سوريا التي يقوم بها المهربون عبر المعابر غير الشرعية؟ وتجدر الاشارة إلى أن الجيش بدأ يُعلن عن الحاجة إلى تطويع جنود متمرنين في الوحدات المقاتلة، علماً أن “اليونيفيل” ستكون حاضرة لمؤازرته في مهامه.

التحدي كبير جداً وأي فشل من الجيش، سيدفع اسرائيل إلى تفسير موسّع لـ “حق الدفاع عن النفس”، والقيام بتدمير الاتفاق وخصوصاً أن “الحزب” يميل إلى عدم الالتزام بالبنود التي تهدف إلى نزع سلاحه، وكل العمليات التي لا تزال تجريها اسرائيل في الجنوب هي ضغط على “الحزب” من جهة والسلطات اللبنانية من جهة أخرى، لضرورة تنفيذ الاتفاق بسرعة.

وتشير مجموعة خبراء الأزمات الدولية إلى أن كثرة الانتهاكات الاسرائيلية تعبّر عن عدم ثقة بالجيش اللبناني، وهذا ما أثار غضب الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا لأن اسرائيل تجاوزت عملية إبلاغ آلية المراقبة قبل الإقدام على الغارات الجوية وتحليق المسيّرات فوق بيروت، فتدخّلت واشنطن بقوة لمنعها من قصف بيروت مجدداً.

على الدولة اللبنانية الإمساك بزمام المبادرة، وإصدار توجيهات سياسية واضحة للجيش بمنع تحركات “الحزب”، على الأقل، في جنوب الليطاني كخطوة أولى، ثم حصر “حق لبنان في الدفاع عن النفس” بالمؤسسة العسكرية دون سواها. ما دامت الدولة اللبنانية لا تفعل ذلك، ستجعل اسرائيل و”الحزب” يكرران المواجهات ويعرّضان الاتفاق للإنهيار.

شارك المقال