في اليوم التاسع من معركة “ردع العدوان”، واصلت فصائل المعارضة عبر غرفة العمليات المشتركة تحقيق تقدم واسع في محاور عدة حول مدينة حماة، في إطار العمليات العسكرية التي تشمل “هيئة تحرير الشام” وفصائل الجيش السوري الوطني التي تشكل نحو 60% من القوة الميدانية. وقد تمكنت الفصائل من تحرير مدينة حماة بالكامل والسيطرة على مطارها العسكري، وهروب الآلاف من جنود النظام خوفاً من الوقوع تحت الحصار. كما تمكنت فصائل غرفة العمليات من السيطرة على سجن حماة المركزي، وهو ما أسفر عن تحرير المئات من المعتقلين السياسيين الذين كانوا محتجزين لأسباب سياسية.
وفقاً لما صرح به الناشط قصي الحسين لموقع “لبنان الكبير”، تمكنت الفصائل من التوغّل في الأحياء الشرقية والشمالية للمدينة. وأشار الى أن السيطرة على مواقع استراتيجية مهمة مثل جبل زين العابدين الاستراتيجي، اللواء 87، وبلدتي معرشحور والمباركات جعلت المدينة تواجه خطر الحصار الكامل من جميع الاتجاهات، وهو ما أدى إلى تحرير مدينة حماة وانسحاب النظام منها خشية الحصار المطبق.
وكانت الفصائل تمكنت في وقت سابق من إحراز مكاسب كبيرة، عبر السيطرة على بلدة خطاب ورحبة خطاب ومستودعات الأسلحة التابعة للنظام، التي تعتبر مركزاً لوجيستياً مهماً لقوات النظام في ريف حماة الشمالي. وأكد الحسين أن القوات المعارضة قد اغتنمت عشرات الآليات العسكرية وكميات من الذخائر، من بينها عربة مزودة برادار روسي متطور من طراز Podlet-K1.
أما المقدم حسن عبد الغني، المتحدث باسم غرفة العمليات المشتركة، فأشار إلى أن التقدم الميداني شمل مناطق عدة في ريف حماة الشرقي، حيث تمت السيطرة على قرى معرشحور، المباركات، رسم البغل، عويجة، العيور، كاسون الجبل ورهجان. وأوضح أن الفصائل تمكنت أيضاً من أسر خمسة عناصر من الميليشيات الايرانية في معرشحور، بينهم عنصران أفغانيان، وثلاثة من الفرقة 25 التابعة للنظام.
تشكل مدينة حماة مركزاً استراتيجياً مهماً، بحيث تربط بين الساحل السوري ومحافظة حمص، ما يجعلها حصناً دفاعياً للنظام وقاعدة دعم لوجيستي للميليشيات الحليفة. وأوضح الحسين أن الفصائل تمكنت من تحقيق اختراقات نوعية في سهل الغاب، مسيطرة على بلدتي الشريعة والكريم، اللتين تقطعان خطوط الإمداد بين القرى الموالية للنظام في السقيلبية وجورين.
كما واصلت الفصائل تقدمها في ريف حماة الشرقي، حيث سيطرت على قرى سروج ومعسكرها الاستراتيجي وقرية الشيخ هلال، ما أدى إلى قطع طريق حماة – السقيلبية – الرقة، وعزل قوات النظام عن خطوط الإمداد الحيوية. وأشار الحسين إلى أن الطريق الدولي أثريا-خناصر، الذي يربط حماة بالرقة وحلب، بات تحت سيطرة الفصائل، ما يمثل ضربة قاسية للنظام.
على الرغم من أن طريق حماة – حمص لا يزال نظرياً مفتوحاً، إلا أن النظام يتجنب استخدامه خشية الكمائن التي نصبها أهالي الرستن وتلبيسة بعد تحريرهما. ويبقى الطريق الوحيد المتاح للنظام هو طريق حماة – مصياف، الذي قد يُستخدم لإرسال تعزيزات أو الانسحاب.
ومع أن النظام استقدم حشوداً كبيرة، بما في ذلك قوات من “الفرقة 25” المدعومة من روسيا وميليشيات متعددة الجنسيات مثل “حزب الله” و”حركة النجباء” العراقية و”لواء فاطميون” الأفغاني و”لواء زينبيون” الباكستاني، تستمر غرفة العمليات المشتركة في تحقيق تقدم ملحوظ على مختلف الجبهات، وتقترب من السيطرة على مدينة حماة.
بينما نفى عبد الغني وجود أي عملية مشتركة بين النظام والقوات الروسية لفك الحصار عن مجموعة محاصرة في ريف حلب الجنوبي الشرقي، مؤكداً أن القوات المشتركة فرضت حصاراً على مجموعة من قوات النظام قرب بلدة السفيرة بعد قطع طرق الإمداد عنها. وأضاف: إن هذه المجموعة اضطرت إلى التفاوض على الاستسلام مقابل تأمين خروجها، وتم قبول استسلامها بشرط تسليم أسلحتها الثقيلة ومواقعها العسكرية.
الجولاني مستعد لحل “هيئة تحرير الشام”
في خطوة مفاجئة تحمل أبعاداً سياسية مهمة، أعلن أبو محمد الجولاني، زعيم “هيئة تحرير الشام”، استعداده لحل الهيئة وتسليم السلطة لجهات مدنية في المناطق المحررة، بما في ذلك مدينة حلب. وجاء هذا الاعلان خلال ظهوره الأخير في قلعة حلب، بعد سيطرة فصائل غرفة العمليات المشتركة المعارضة على المدينة.
وأكد الجولاني أن نقاشات جارية بين الفصائل المعارضة، بما في ذلك “هيئة تحرير الشام”، لبحث صيغة توافقية لادارة شؤون المدينة. كما أشار إلى أن المقاتلين، بمن فيهم عناصر الهيئة، سيتم توجيههم للخروج من المناطق المدنية خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة تهدف إلى فصل العمل العسكري عن المدني وإعادة الحياة الطبيعية للسكان.
وفي إطار خطته لإعادة استقرار حلب، شدد الجولاني على أهمية إعادة تفعيل الجهاز البيروقراطي ودعوة الموظفين السابقين الى استئناف وظائفهم، موضحاً أن الهدف هو إعادة إرساء النظام المدني في المدينة، مع توفير الخدمات الأساسية للسكان.
كما تطرق الجولاني إلى مسألة التنوع الثقافي والديني في حلب، مؤكداً احترام الهيئة لهذا التنوع، بما يشمل المسلمين والمسيحيين على اختلاف طوائفهم. ولفت إلى أن إدارة المدينة ستأخذ في الاعتبار الحفاظ على النسيج الاجتماعي، والعمل على تعزيز التعايش بين مختلف مكونات المجتمع الحلبي.
وفي سياق حديث الجولاني عن استعداده لحل “هيئة تحرير الشام” وتسليم السلطة لإدارة مدنية، برزت أهمية التنوع داخل الفصائل العسكرية المعارضة. وتضم هذه الفصائل تشكيلات متنوعة، بما فيها فصائل موالية لتركيا وأخرى قادمة من مناطق التسويات، التي أُجبر النظام السوري على نقل مقاتليها إلى الشمال السوري في الأعوام الماضية. لعبت هذه الفصائل دوراً محورياً في المعارك الأخيرة، حيث شكّل مقاتلوها رأس الحربة في استعادة قراهم ومناطقهم في ريف حماة وحلب وحمص. كما أن هناك مقاتلين قدموا من دمشق ودرعا، وكانوا يشكلون القوة المعتدلة الأكثر تأثيراً في جنوب سوريا ووسطها.
هذا التنوع في الخلفيات والانتماءات يمنح الفصائل المعارضة زخماً ميدانياً وسياسياً، ويعزز من فرص بناء إدارة مدنية تمثل مختلف مكونات الشعب السوري. ويأتي إعلان الجولاني عن نيته تسليم السلطة كخطوة تهدف إلى توحيد جهود الفصائل ودفعها نحو مرحلة جديدة من العمل المدني، بما يعزز الاستقرار ويهيئ الظروف لإدارة المناطق المحررة بعيداً من الصراعات العسكرية.
المعارضة السورية تشدد على البُعد العربي
صرّح مصدر في غرفة العمليات المشتركة لموقع “لبنان الكبير” بأن المعارضة السورية تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع الدول العربية، مؤكداً أن الفصائل تأمل في أن تشهد المواقف العربية تحولاً تجاه النظام السوري. وأشار إلى أن النظام لم يُبدِ أي نية جدية نحو الحل السياسي، بل استغل الأوضاع لتوسيع نشاطه في تجارة الكبتاغون، ما جعل سوريا مركزاً للميليشيات الايرانية الطائفية التي تعمل على تأجيج الخطاب التحريضي ضد العالم العربي.
وأضاف المصدر: “ان هذا التوجه لا يشكل خطراً على الداخل السوري فحسب، بل يهدد أيضاً الأمن القومي العربي، ما يتطلب تحركاً جماعياً لمواجهة هذه التحديات”. وتسعى الفصائل المعارضة إلى إنهاء الوجود الايراني في سوريا، معتبرة أن ذلك يشكل خطوة ضرورية لبناء السلام الدائم في المنطقة.
وأكد المصدر أن الفصائل المسلحة لا تشكل أي تهديد للدول العربية المجاورة، بل على العكس، هي مستعدة للتعاون الكامل لضبط الحدود ومنع أي تهديدات تنطلق من الأراضي السورية، خصوصاً تلك المرتبطة بخلايا الميليشيات الايرانية وأدواتها. وشدد على أن المعارضة تتبنى رؤية قائمة على حسن الجوار والتعاون الاقليمي لضمان الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
بينما صرّح أمين سر التحالف السوري الوطني، آرام الدوماني، لموقع “لبنان الكبير” بأن الوقت حان لتدخل المجتمع الدولي من أجل إنقاذ سوريا ووضع حد لجرائم النظام المستمرة. وأوضح أن المواقف الأميركية والأوروبية تؤكد أن الأزمة الحالية في سوريا سببها تعنت النظام ومماطلته المستمرة في الحل السياسي، ومحاولاته الدائمة لتأجيل أي مبادرة جدية وتفريغها.
وأضاف: “لا بد من مبادرة عربية حقيقية تقود سوريا نحو بر الأمان، فمحيط سوريا الطبيعي هو العالم العربي. نحن نسعى الى التنسيق مع التكتلات والفصائل السورية للوصول إلى إدارة مدنية رشيدة، ولتأمين انتقال سياسي سلس وفقاً للقرار الدولي 2254، الذي ينص على تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات”. ورأى الدوماني أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتفاً سورياً داخلياً، إلى جانب دعم واحتضان عربي حقيقي، للمضي قدماً في مسار الحل السياسي وإعادة الاستقرار إلى البلاد.






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.