كتاب الحزن المصري

عبد المنعم مصطفى

كانت مواكب الحزن عند جيل آبائي من المصريين، تبدأ مع أول دقيقة لحظة حضور الموت وغياب الحياة عن الميت، اعتدنا في القاهرة – قبل انتشار الهواتف المنزلية – تلقي أخبار الوفاة عبر مرسول شخصي لا يبالي عادة بالمواعيد، فيحضر ساعة حضور الموت، الذي لا يبالي هو أيضاً بليل أو نهار. أيقظتني مراراً في طفولتي طرقات عجلى على أبواب بيتنا، في ساعات الليل البهيم أو حتى قبل حلول الفجر أو بعد حلوله بقليل،، تعقبها حركة متوترة في أرجاء بيتنا لمن أرّقهم الطرق الليلي المباغت، وأصوات تتناهى الى مسامعي وأنا نائم تشي بطبيعة الحدث الجلل وبهوية الراحل، أسمع بعدها نهنهة حزن ثقيل تحمل الى قلبي مخاوف لا حدود لها. بينما ينهض أبي على عجل لتبدأ مسيرة أحزان لا يوقفها سوى حلول الذكرى السنوية الأولى للرحيل.

طقوس حزينة، تسحب من أيامنا كل ملامح البهجة، بل كل امارات الحياة، وتتكاثر الممنوعات والمحظورات في بيتنا، فالراديو ممنوع أربعين يوماً، الا لسماع القرآن، يصبح بعدها ممكناً ولكن لسماع نشرات الأخبار فقط، أما الأغاني والأفراح، وحتى تناول الحلوى، وأية اهتمامات دنيوية أخرى فهي مؤجلة لحين مرور الذكرى السنوية الأولى لرحيل المتوفى.

لم نكن نتشدد في تطبيق نصوص كتاب الأحزان عند المصريين، الذين برعوا في فنون الحزن، فكنا نتفلت سراً، لاختلاس الاستماع الى أغنية بالراديو الذي نصطحبه أحياناً تحت الغطاء المحكم فوقنا، حتى لا يضبطنا أحد متلبسين بالاستماع اليه. وما زلت أذكر كيف أنني استمعت الى الفنان الشعبي محمد طه عام ١٩٦٢ لأول مرة، تحت اللحاف الثقيل، قبل مرور ذكرى الأربعين لرحيل عمي الأكبر، وكيف كانت الصباحات في بيتنا، حين تهم الأسرة بالاستعداد لزيارة المقابر في أيام الخميس من كل أسبوع وحتى حلول ذكرى الأربعين التي تقام لها احتفالية تليق بتقديس المصريين، مسلمين وأقباط، لمرور أربعين يوماً على الوفاة، يقولون إن لها جذوراً في الثقافة الفرعونية، حيث كان الفراعنة يحتفلون بذكرى الأربعين، حين تسقط أرنبة أنف المتوفى لتعلن عن إمكان إتمام التحنيط والدفن.

احتفاليات الحزن عند المصريين القاهريين حتى أواخر الستينيات، كانت تبدأ بلحظة الوفاة، وتشييع الجنازة، ثم إقامة سرادق كبير يليق بقدر المتوفى وأهله، ثم ينتقل العزاء في اليومين الثاني والثالث الى بيت المتوفى وملحقاته من بيوت أو شقق الجيران والأقارب، تجري خلالها إقامة مراسم عزاء صباحية للنساء فقط، يستأجر خلالها ذوو المتوفى مقرئة إمرأة تتلو القرآن على مسمع المعزيات ثم تعقب التلاوة ما يسمى بـ “الدرس” وهو عبارة عن ثرثرة نسائية تحملها الميكروفونات الى مسامع الجيران مغموسة بقصص معظمها مدسوس على التراث الديني. يسمّي المصريون ليلة العزاء الأولى بـ “ليلة الوحدة” باعتبارها أول ليلة يقضيها المتوفى بمفرده منذ شهقة ميلاده الأولى، وهو عنوان مرهق لليلة دفن المتوفى، يعكس رقة في الشعور الشعبي العام، وكم جنح بي خيال الطفولة وأنا أستحضر حال المتوفى في “ليلة الوحدة”، وكيف سيقضي الليلة الأولى وحده في ظلمات القبر من دون جليس أو أنيس.

ثم يلي أيام العزاء الثلاثة الأولى، ما يسمى بـ “الخمسان” (جمع خميس) حيث تقام ليالي عزاء كل خميس بعد الوفاة لمدة خمسة أسابيع قبل حلول ذكرى الأربعين، فإن حلت مواكبة ليوم خميس يتوافق معها أو يواكبها سميت “ليلة خميس الأربعين”، أما إن حل الخميس قبل حلول الأربعين بيومين أو أكثر، سمّي “الخميس البطال” أي الخميس الذي لا يقام فيه عزاء ترقباً للاحتفال بليلة الأربعين، وهي أكبر ليالي العزاء وآخرها بعد ليلته الأولى.

مع كل خميس تحل زيارة المتوفى في قبره لمؤانسته في وحدته، وتكون الزيارات مسبوقة باستعدادات، مثل تحضير وعمل “الشوريك” وهو نوع من المخبوزات اللذيذة، يقوم أقارب المتوفى بصنعه أو شرائه جاهزاً، ليكون في صحبتهم لدى زيارته في قبره كل خميس حيث يتم توزيعه على فقراء المدافن.

زيارات “الخمسان”، كانت في الغالب حكراً على نساء أسرة المتوفى اللاتي يتشحن بسواد الحزن حتى حلول الذكرى السنوية الأولى للوفاة، وإن كان السواد يلازم المقربات من المتوفى كزوجته وأخواته وأمه، وبناته، لزمن قد يطول لسنوات. أما الرجال فكانت “الخمسان” عندهم، هي جلسات بمنزل المتوفى أو بقربه ينصتون خلالها الى تلاوة من القرآن الكريم، فيما تدور عليهم فناجين القهوة (السادة) من دون سكر، بحيث يعتبر السكر ملمحاً احتفالياً لا يليق بجلال الموت.

استدعت جذورنا الصعيدية البعيدة، آيات الحزن الصعيدي الى بيتنا، حملها معهم الصعايدة القادمون للعزاء، بصحبة بعض نساء العائلة الصعيديات، اللائي يحملن معهن النسخة القديمة من كتاب أحزان المصريين، بكل ما فيها من فنون التعديد، ولا زلت أذكر، كيف نقلت عمتي آمنة وهي إبنة عّم لأمي وأبي، طقوس الحزن الصعيدية كلها الى صباحاتنا القاهرية البهيجة بطبعها، اذ أقامت لدينا ما يزيد على أربعين يوماً، كنت أستيقظ خلالها في الصباحات الباكرة جداً على صياح الديكة فوق أسطح الجيران، وعلى نحيب عمتي آمنة، المصحوب بتعديد لسجايا عمي المتوفى، مشحوناً بطاقات حزن وكآبة لا قبل لسنترال الأحزان بإطلاقها. كان لعمتي آمنة إبن وحيد رحل في شرخ شبابه، وكانت كلما توفى عزيز لديها، اعتبرت الوفاة مناسبة لتجديد أحزانها على رحيل ابنها الوحيد.

كان الموت عندي، يستدعي صور الحزن عند المصريين، التي اعتدت أن أراها في طفولتي، والتي تبدلت شيئاً فشيئاً، مع انتشار أفكار الاسلاميين الذين استدعاهم أنور السادات، من غياهب النسيان، أو من خلف أسوار السجون. فقد خرج الاسلاميون من سجون عبد الناصر ليسجنوا الشعب المصري كله، خلف زنازين أفكارهم.

تراجعت ملامح الحزن المصري الرقيق، مع هيمنة الاسلاميين على الفضاء المصري العام، وحلت محلها ملامح قسوة صحراوية، فرضت نفسها بالقوة أحياناً على طقوس مصرية توارت واختفت مثل ذكرى الخمسان والأربعين، والاحتفاليات المصرية المصاحبة للموت.

شكل الجنازة المصرية اختلف كثيراً، في السبعينيات وما تلاها، بعد استفراد الاسلاميين بالمشهد الاجتماعي المصري، قبل سبعينيات أخونة مصر، كان إعداد النعش الذي يحمل فيه الجثمان الى المدافن، ضرباً من ضروب الفن، يعكف عليه مختص لدى الحانوتي، فيغطي النعش بقماش من الساتان الحريري الملون بحسب جنس المتوفى (ذكراً أم أنثى)، يجري تزيينه وتجميله، ونقشه، فإن كان المتوفى ذكراً، فالنعش من اللون الأبيض أو السماوي يعلوه طربوش أحمر، وان كانت المتوفاة أنثى يغطى النعش المزركش باللون البمبي الفاتح، أو باي لون مبهج آخر، اما إن كانت الوفاة لشيخ طاعن في السن أو إمرأة مسنة، فإن لون النعش يصبح وقوراً بألوان الشال الذي يعتمره مقرئ القرآن في سرادقات العزاء.

كان مشهد النعش بالنسبة لي في سنوات الطفولة، مصدر هلع لانهائي، وما زلت أذكر أنني دأبت على الهرولة رعباً من أمام أحد بيوت الجوار كانوا يقولون عنه “بيت فكري” بعدما اختلست نظرة ذات صباح حزين داخل ممر هذا البيت فوقعت عيني على تابوت موتى مفتوح كان يجري اعداده لتشييع جنازة جارنا الأستاذ فكري، الذي كان يشبه الى حد بعيد أستاذنا الراحل الكبير فكري أباظة. كان المرور من أمام بيت فكري يصيبني بالهلع فأهرول مسرعاً طلباً للنجاة من أشباح كنت أخال أنها تختبئ خلف باب بيت فكري لتختطفني وتضعني في صندوق الموتى المفتوح.

سرادقات العزاء، كانت بين أبرز تضاريس الحياة الاجتماعية لدى المصريين، فنحن شعب يتباهى بأحزانه، تماماً كما يتباهى بأفراحه، والموت عندنا مناسبة لاستعراض المكانة الاجتماعية أو تأكيدها، أو حتى ادعاء العلاقة بها، وما زلت أذكر حين توفى زوج عمتي العمدة صادق أبو حبيب في الفشن بمركز مغاغة، كيف حرص أبناؤه الذكور على اعتبار الوفاة مناسبة لاستعراض مكانة العائلة وهيبتها، ففرشوا القبر بالحناء ووضعوا سجادة صغيرة داخله. ونحروا الذبائح لدى خروج النعش في طريقه الى المدفن، وأقاموا سرادقات العزاء الضخمة الفخمة لثلاثة أيام متتالية.

علاقتي بسرادقات العزاء بدأت، في طفولتي المبكرة، عندما شاهدت رجلاً يمسك بحبال غليظة، يطل على احدى نوافذ بيتنا في الطابق الثاني من فوق سلم نقال كان يتمشى به بموجات تبادلية متنقلاً من نافذة الى شرفة الى نافذة أخرى، بينما يثبت ببراعة فائقة أعمدة من الخشب يصنع بها جداراً تغطيه أقمشة الخيامية بنقوشها اليدوية الملونة البديعة.

استيقظت مراراً على صوت دقات فأس صغيرة في أرضية الشارع لتثبيت أعمدة الفراشة، معلنة عن حدوث حالة وفاة في شارعنا، ليحملني الفضول الى الشرفة، لأطالع وأسأل عن الذي مات ومتى وكيف حدث هذا؟

كانت استباحة الشارع العام، وإغلاقه لإقامة سرادق عزاء، أمراً يتقبله المصريون بنفس راضية، بدافع من التضامن الانساني مع أسرة المتوفى، لكن إغلاق الشارع كان يستمر في بعض الأحيان على مدى ثلاثة أيام لتقبل العزاء.

لم تكن الشوارع بعد قد تحولت الى كاراجات مفتوحة، فلم يكن في شارعنا حتى منتصف الستينيات سوى أربع سيارات كان أصحابها يضعونها في كاراجات خاصة أو عامة، لكن زحف السيارات على الشوارع، منذ منتصف السبعينيات، جعل إقامة السرادقات أمراً صعباً، وواكب ذلك تخلي الدولة تدريجياً عن دورها في تنمية المحليات وطويرها، لحساب جمعيات قالت انها “خيرية”. هذه الجمعيات “الخيرية” هي من نقلت مراسم العزاء من الشارع الى دور مناسبات ملحقة بمساجد، تكاثرت تحت أنف دولة تخلت عن أدوارها، وارتضت بأن تكون السلطة لها، والدور لجماعات إسلامية جرى تسويقها باعتبارها “خيرية” فيما هي تقبض على أحشاء الوطن.

باتت كل مستصحبات الموت في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، جزءاً من الماضي، فلم يعد حملة أخبار الموت يطرقون الأبواب فجراً، ولا عادت نهنهات حزن جليل هي من تخبر الناس بواقعة الوفاة، حلت السوشيال ميديا محل سائر وسائل الاتصال في نقل أخبار الوفيات، ولم تعد صفحة الوفيات في “الأهرام” هي وسيلة النعي لا الوحيدة ولا الأكثر تأثيراً كما زعم بشارة تقلا ذات يوم-وكان محقاً وقتها-حين قال إن من لم يمت على صفحات “الأهرام” لم يمت أصلاً.

الناس الآن تموت على “فيس بوك” و”تويتر” و”انستغرام”، بأكثر مما تموت فوق صفحات “الأهرام”، بل ان بعض مواكب تشييع جنازة المتوفى، وإقامة مراسم العزاء فيه، قد باتت افتراضية، تجرى عبر الانترنت، فيما يكتفي بعض المعزين، بوضع ايموشن للحزن أو البكاء أو الدعاء، ويرد عليهم ذوو المتوفى بوضع ايموشن آخر يعبّر عن الامتنان لمن شاركوا في العزاء السيبراني.

الناس تهرب عادة من أحزانها، ولا تستدعيها بحنين مفرط لوقائعها وأسبابها، لكن عندي حنين لاستعادة بعض طقوس الحزن المصرية، عندما كانت الناس أقرب الى بعضها في الملمات، فبعض طقوس الحزن جزء من هويتنا، التي تتآكل مع الوقت فيما تسحقها الضرورات، وتقنيات الاتصال السريعة، التي تطوي الأحزان، لتزرع مكانها هموماً بديلة.

بالمناسبة، لم تتغير عندنا طقوس الحزن المصرية وحدها، فقد تغيرت طقوس الفرح المصرية أيضاً، ليطفو فوق سطحها أفراح من عينة أوكا وأورتيجا، ويتسيدها كلمات من نوع “كوز المحبة اتخرم.. إديله بنط لحام”، فقد دخلنا عصر سمكرة الأفراح والأتراح من أوسع أبوابه.

شارك المقال