أشعر بامتنان خاص لبعض المخرجين في السينما المصرية، كلما ظهر كوبري إمبابة في أحد المشاهد، يستطيع مشهد ظهور هذا الكوبري أن يرد إلي في لحظة كل السنين التي راحت، حتى لأكاد أسمع فيروز تصرخ داخلي بصوت نحاسي الجرس “يا سنيني اللي رحتي إرجعي لي.. إرجعي لي شي مرة إرجعي لي…”، هل جرب أحدكم هذا الإحساس “شي مرة”؟ هل تعرف ما معنى أن يرد إليك القدر في لحظة خمسين عاماً دفعة واحدة، فتتدفق دماء الطفولة في أوصالك فجأة، بلا كوليسترول، ولا سكر ، ولا ضغط، ولا يوريك آسيد، ويحملك الحنين فوق أجنحة الذكريات، الى مشاهد، وصور، وحكايات، يكفي مجرد تذكرها لتمتلئ بشبع لا يشبهه سوى شبع أهل الجنة “شبع ليس بعده جوع وارتواء ليس بعده عطش”.
كوبري إمبابة يعني أبي، الذي كان يعبره كل يوم ماشياً من الطابق العلوي للمشاة في طريقه الى عمله على الضفة الأخرى للنهر الخالد جداً. عندما أشاهد هذا الكوبري أشم رائحة أبي، وروائح الأقارب على الضفة الأخرى قبالة روض الفرج، من أعمام وخالات، مع عبق الذكرى يعتريني شعور فريد بأمان لا سقف له ولا حدود، كيف لا أشعر بالأمان وأنا في حضرة أهلي وعمي الأكبر، هذا الرجل المهيب الحبيب؟ كانت تملؤني الثقة وأنا إبن سبع سنوات، حين يغامر أبي فيكلفني بعبور كوبري امبابة ثم ركوب أوتوبيس بخمس مليمات (نصف تذكرة) يحملني الى الحاج أحمد الجزار في وراق الحضر على ضفاف النيل مباشرة حيث يجري نحر الذبائح كل أربعاء.
يتلقفني الحاج أحمد ليرفعني فوق ثلاجة خشبية عتيقة، عريقة، أجلس فوقها بانتظار الانتهاء من نحر بقرة أو جاموسة، تسارع النسوة اليها بالطشوت (جمع طشت وهو وعاء نحاسي كان يستخدم لغسل الملابس) ليظفرن بالكوارع أو بالكرشة والفشة ولحمة الرأس وما يسمونه “الحلويات” (الكلاوي والطحال والقلب وخلافه) حيث ينتحين جانباً على ضفة النهر لتنظيف ما قد ظفرن به، وبيعه لزبائن جاؤوا خصيصاً لشراء تلك “الحلويات”.
يقوم الحاج أحمد الجزار، بتحضير وتجهيز ما سأحمله معي من اللحم والكبد، ثم يحملني بذراعيه القويتين لينزلني من فوق الثلاجة الى الأرض، ويكلف أحد عماله أن يحمل عني اللحم حتى أجلس في مقعدي داخل أوتوبيس العودة الى إمبابة، وهناك أحمل ما معي لأعبر به كوبري امبابة عائداً الى منزلنا على الضفة الأخرى للنيل، ممتلئاً بمشاعر الرضا عن الذات، بعد العودة المظفرة.
كان الصعود الى الدور العلوي لكوبري امبابة وهو مخصص للمشاة، نزهة ننتحل من أجلها الأسباب، أحد هذه الأسباب هو الرغبة في تلميع الحذاء، اذ اتخذ بعض ماسحي الأحذية من هذا الموقع الفريد منصة للعمل فوق مياه النيل التي تجري تحت الكوبري جالبة معها النسيم العليل ورائحة مميزة للحياة مضمخة بعبق الأسماك الحية الطازجة ينتشلها صيادون بوسائل بدائية بعضهم يجلس القرفصاء أسفل الكوبري قبل أن ينهض لجذب شبكة صيد ألقاها في النهر، وبعضهم في قوارب خشبية بسيطة يستظل بالكوبري فوقه فيما ينتظر لحظة سحب الشبكة بأصناف متنوعة من أسماك النيل.
اعتاد سكان البيوت القريبة من كوبري امبابة انتظار عودة الصيادين قرب الغروب وقد حملوا فوق أعناقهم ما جاد به النيل عليهم من أسماك البلطي والقرموط والبياض والثعابين والسردين والبسارية، كل حسب موسمه، كان أغلب الصيادين يتطلعون الى بيع ما لديهم دفعة واحدة كلما أمكن حتى يتسنى لهم الرجوع الى أسرهم قبل أن يخيم الظلام، وكان أغلب الزبائن الذين يعرفون ذلك، يتطلعون الى الشراء بأقل الاسعار “شروة واحدة”، وقد رأيت هؤلاء الصيادين يفدون الى بيتنا وفوق رؤوسهم “مشنا” من الخوص، يضعونها على الأرض ويشرعون في عرض ما بها من أصناف، تبدأ بعدها مفاوضات البيع والشراء والمساومات التي باتت ملمحاً من ملامح الشخصية المصرية، أحد ابرز أماني البائع أن يبيع كل ما معه دفعة واحدة، وأحد أبرز أدوات المشتري في التفاوض هو أن يحقق أمنية البائع اذا وافق الأخير على أقل ثمن. وكان طبيعياً في عصر ما قبل انتشار الثلاجات الكهربائية أن يطهو المشتري ما حصل عليه من أسماك في الليلة نفسها قبل أن ينال منها الفساد، ولذلك فقد اعتدنا في خمسينيات القرن الفائت روائح الأسماك المقلية والمشوية قرب الغروب.
كان النيل سخياً جداً بمائه وأسماكه وطميه، وأذكر أن جدتي لأمي يرحمها الله، كانت تنصحنا بألا نشتري البلح قبل أن يصبح لون مياه النيل أحمر في أغسطس (آب) من كل عام، بفعل الطمي القادم مع الفيضان من الحبشة، كانت تنظر عبر الشرفة الى النيل وتقول لأحفادها وأنا بينهم: “عندما تصبح مياه البحر (النيل كما يسميه أهل القاهرة) حمراء، يصبح البلح فوق النخيل أحمر (إذا إحمر النيل إحمر البلح)”.
قبل الانتهاء من إقامة كورنيش النيل، كان عم سليمان أحد العمال المعاونين لأبي يحملنا الى الشاطئ قبالة شرفة منزلنا ليضع قدمي في مياه النهر الجارية بعدما يجتاز بنا شاطئاً من الطمي الغني، لكن إقامة الكورنيش الذي تابعت انجازه من شرفتنا، ورأيت كيف كان عبد اللطيف البغدادي، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة يتابع بنفسه مراحل العمل وقد ارتدى زياً عسكرياً ببنطلون قصير وقميص نصف كم، بينما يضع غطاء رأس يشبه خوذة كان يعتمرها عادة الجنود الإنكليز، وكان وراء انجاز هذا الكورنيش الرائع الذي أصبح لاحقاً طريقا يجتازه جمال عبد الناصر رفقة ضيوفه من زعماء العالم، رأيت بنفسي من بينهم الزعيم السوري شكري القوتلي، والزعيم الجزائري أحمد بن بيلا والزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو، والزعيم الكوبي فيديل كاسترو وغيرهم.
لا أظن أن هناك شعباً ارتبطت حياته وحضارته وتاريخه وشخصيته وذائقته وذاكرته، بجغرافيته، وبنهره وسهله وواديه، كما ارتبطت حياة المصريين بنهر النيل. هو عندنا أصل الحياة ومادتها الأولية، وكما يقول الشاعر علي محمود طه في رائعة الموسيقار محمد عبد الوهاب عن النيل “النهر الخالد”: “شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال”.
ويقول أيضاً:
“يا واهب الخلد للزمان يا ساقي الحب والأغاني
هات اسقني واسقني ودعني أهيم كالطير في الجنان”.
ارتباط حياة المصريين بالنيل أنتج في ظني نمطاً فريداً من الاستبداد، يحميه الشعب ويحرص عليه، فالنيل الذي استبد بحب المصريين وبحياتهم، هو أصل فكرة الاستبداد في حياتنا، استبد بنا إن فاض النهر فأغرقنا، وان غاض الماء فأهلكنا، أتاحت ادارة النهر لمن يديره ويروضه، آلية للاستبداد لا يمكن تحديها، وقد كتبت مراراً، أن وحدانية النيل عندنا كانت وراء وحدانية الشعب ووحدانية الحاكم، وأن انسياب مائه رقراقاً في أرضنا، كان وراء لين الطابع لدى شعبنا، وربما أيضاً بطء إيقاع حركته، بفعل طمأنينة أسبغها النهر على حياتنا فحرمتنا جرعة من القلق الضروري لإبداع الحلول. لكننا مع ذلك أو بالأحرى لذلك نبدع الحلول كلما ادلهمت الخطوب وأحدقت بنا المخاطر.
نحن أبناء النيل (المصري) الذي اتحدت روافده قبل أن تدخل أرضنا، لنصبح على ضفتيه شعباً واحداً، مبدعاً، قادراً، منتجاً للحضارة، وحارساً لها.


