ماذا ينتظر بشار؟

زياد سامي عيتاني
بشار الاسد

من دون الدخول في التطورات الميدانية العسكرية المتسارعة بشكل فاق كل التوقعات والتقديرات، فإن الوقائع في ضوء التقدم الكبير الذي حققته الفصائل المسلحة، يضع على المحك الشكل العام للنظام السوري الذي يواجه مشكلة عميقة، في ضوء التهديدات للقيادة السورية في دمشق من جميع المحاور، خصوصاً وأن ما يزيد من هذه الحالة الصعبة بالنسبة الى رئيس النظام بشار الأسد هو “الأنباء السيئة” التي ترددت على لسان مسؤولين خلال الساعات الماضية، وعكستها قرارات اتخذتها عدة دول، بينها موسكو، بحيث صدرت عدة تصريحات من روسيا وإيران، لم تشر إلى أي استعداد على صعيد إنقاذ رئيس النظام السوري وانتشاله من دائرة الخطر التي باتت تضيق عليه.

وهذه المرة الوحيدة والاستثنائية بعد إحكام حزب “البعث” قبضته على السلطة في سوريا التي يصل فيها النظام السوري إلى هذه المرحلة، وعلى الرغم من أنه عاش ظروفاً مشابهة بعد عام 2011 لم تكن الصورة العسكرية والسياسية سابقاً كما الحالة التي عليها اليوم، فهو أصبح غير قادر على التمكن من تحويل الأمور في غياب الدعم الثقيل والفوري من إيران وروسيا. فقد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين لم تكشف هوياتهم أن إيران بدأت بسحب عناصرها وقادتها العسكريين من سوريا الجمعة على وقع التقدم الذي أحرزته الفصائل المسلحة في المدن الرئيسية.

وكشفت مصادر إعلامية أن إيران بدأت بإجلاء قادتها العسكريين وموظفيها من سوريا يوم الجمعة، وفقاً لمسؤولين إقليميين و3 مسؤولين إيرانيين، في إشارة إلى عجز إيران عن المساعدة في إبقاء الرئيس الأسد بالسلطة في وجه الهجوم المسلح لفصائل المعارضة، حسب ما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، التي أوضحت أن “من بين الذين تم إجلاؤهم إلى العراق ولبنان المجاورين كبار قادة فيلق القدس الايراني القوي، الفرع الخارجي لفيلق الحرس الثوري، كما تم إجلاء أفراد الحرس وبعض الموظفين الديبلوماسيين الايرانيين وعائلاتهم ومدنيين إيرانيين”. ونقلت الصحيفة عن مهدي رحمتي، وهو محلل إيراني بارز يقدم المشورة للمسؤولين بشأن الاستراتيجية الاقليمية، قوله في مقابلة هاتفية إن “إيران بدأت بإجلاء قواتها وأفرادها العسكريين، لأننا لا نستطيع القتال كقوة استشارية وداعمة إذا كان الجيش السوري نفسه لا يريد القتال”، مضيفاً: “الخلاصة هي أن إيران أدركت أنها لا تستطيع إدارة الوضع في سوريا الآن بأي عملية عسكرية، وأن هذا الخيار غير وارد”.

وفي وقت سابق، قال عضو البرلمان الايراني أحمد نادري في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن “سوريا على وشك الانهيار ونحن نراقب بهدوء”. وأضاف: “إذا سقطت دمشق، فإن إيران ستفقد نفوذها في العراق ولبنان. لا أفهم سبب هذا التقاعس ولكن مهما كان الأمر، فهو ليس جيداً لبلدنا”.

أما على الصعيد الروسي، فنقلت وكالة “بلومبرغ” عن مصدر مقرب من الكرملين أن “لا خطة لدى روسيا لإنقاذ الأسد ولا نتوقع أي خطة ما دام الجيش يترك مواقعه”. وتناولت صحيفة “واشنطن بوست” في مقال لروبين ديكسون الموقف الروسي وقال فيه إن “التقدم السريع لقوات المعارضة السورية يهدد واحداً من أكبر إنجازات الرئيس الروسي.. إذ تتزايد التساؤلات بشأن قدرة الرئيس فلاديمير بوتين على إنقاذ حليفه الأسد مرة أخرى”. ورأى الكاتب أن “ما هو معرض للخطر بالنسبة إلى روسيا في سوريا ليس هيبتها وحسب، بل الانتشار العسكري المهم لها في منطقة شرق المتوسط”. وسلطت “فايننشال تايمز” الضوء على ما سمته تحذير السفارة الروسية في دمشق لمواطنيها الموجودين في سوريا، وعلقت بالقول: “التحذير الصادر عن أقرب داعمي الأسد علامة على خطورة التهديد الذي تمثله المعارضة السورية على بقائه”.

مما لا شك فيه، أن غياب المشاركة العسكرية الفعلية من روسيا وإيران، “عرّت” القدرات والامكانات للجيش السوري “المترهل” (بعدما خدم عسكريته)، بحيث أن أحد أبرز أسباب الانهيار المتسارع للجيش السوري هو “كسر إرادة القتال لدى الجنود”، إذ أصبحت المعارك بالنسبة اليهم خياراً خاسراً، فضلاً عن أن الحاضنة الشعبية للنظام السوري باتت ضعيفة، خصوصاً في المناطق التي فقد السيطرة عليها، ما يؤدي إلى سقوطها من الداخل، حتى أن القوات الجوية وحدها غير قادرة على حسم المعارك أو كبح تقدم المعارضة، ما يجعل القادة الميدانيين عاجزين عن استعادة زمام المبادرة.

أمام “كفي الكماشة” التي تطوق عنق بشار الأسد ونظامه المتروكين لقدر انهيارهما، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يريد بشار؟ وما هي الخيارات المتاحة أمامه؟ يجزم المتابعون بدقة للوضع السوري بكل تشعباته وتعقيداته المحلية والخارجية، بأن لا خيارات متاحة أمامه، من شأنها إنقاذه، فهو بات بحكم “الساقط عسكرياً”، وأمامه سبيل واحد أن يختار كيفية تنحيه، تمهيداً لإنتقال السلطة.

وهنا يؤكد المتابعون أن النظام لا يزال يراهن على تمسكه بدمشق العاصمة، وهنالك أحاديث عن أنه في حال هزيمته في دمشق فإن هنالك خيارات منها الذهاب الى الساحل والتمترس هنالك، وحتى في حال هزيمته فإن حالته الميليشياوية لن تنتهي قريباً، إعتقاداً منه أن هنالك محاولات يمكن تلمسها في تصريحات مسوؤلي دول إقليمية ودولية، بأن جزءاً من النظام ضروري للحفاظ على هيكلية مؤسسات الدولية وتجنب سيناريو الانهيار الكلي، ما قد يكسبه بعض الوقت، خصوصاً إذا كان هناك قرار دولي بأن تعم الفوضى في سورياً، وتحويلها الى حرب أهلية. لذلك، سيرمي بكل ثقله لمنع سقوط حمص، فإذا تمكن النظام من شن معركة من أجل حمص، فربما يكون بوسعه أن يعمل على استقرار وضعه، ومنحه مساحة مناورة محدودة، وبالتالي تعزيز شروط “تنحيه”، لأن مدينة حمص ذات أهمية إستراتيجية كبرى، بحيث تعد عقدة مواصلات تربط شمال سوريا بجنوبها، بالاضافة إلى ارتباطها بمدن مثل طرطوس واللاذقية ودمشق، وتضم 4 مطارات وكليات حربية، كما أن حمص هي العازلة ما بين العراق ولبنان على وجه الخصوص، وهناك الميليشيات العراقية من جهة، و”حزب الله” الموجود في ريف حمص الغربية والقصير.

الخبراء العسكريون يرون أن الانهيارات المتلاحقة لقوات الجيش السوري في مناطق مختلفة تجعل صموده في مدينة حمص بلا جدوى في مواجهة تقدم المعارضة، ما يسقط رهانه، خصوصاً إذا ما كانت المفاوضات الدولية في الغرف المغلقة قد إتخذت القرار بإنتهاء “صلاحية” نظام الأسد. عندها لا يكون أمام بشار سوى أن يحمي “رأسه” من خلال الحصول على خروج آمن من دمشق الى أي “منفى”، بعد أن يكون قد شكل مجلساً إنتقالياً للسلطة.

شارك المقال