أين المعتقلون اللبنانيون الـ622؟

جورج حايك
المعتقلين اللبنانيين في سوريا

فجأة عادت قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية إلى الواجهة، فالنظام السوري سقط، والفصائل السورية المعارضة التي سيطرت على المحافظات والمدن، فتحت السجون وأطلقت المعتقلين السوريين واللبنانيين، لذلك أصبح إمكان كشف حقيقة ملف المعتقلين اللبنانيين هناك كبيراً، بعد تكتّم النظام حيناً ونكرانه وجودهم أحياناً أخرى.

وقد لاح في الأفق أمس بعض البشائر من خلال خروج أسماء لبنانيّة كانت مخفيّة في أقبية النظام، عُرِفَ منها سامر دندل من وادي خالد في عكار الذي كان معتقلاً في سجن صيدنايا، وسهيل الحموي من شكا الذي اعتقل بسبب انتمائه إلى “القوات اللبنانية”، وكرّت السبحة مع كلود حنا ليشع الخوري من دير الأحمر الذي نُقِلَ إلى المستشفى في سوريا بسبب وضعه الصحي وغيره، ويتوارد من سوريا أن هناك أسماء أخرى قيد التداول قد تخرج إلى الحرية قريباً.

لا شك في أن السلطات اللبنانية “شبه غائبة” عن هذا الملف الشائك، كما كانت دائماً، وكأن هؤلاء المعتقلين ليسوا مواطنين لبنانيين يستحقون منها الاهتمام وخصوصاً أنهم تعرضوا لأكبر عملية ظلم في تاريخ الشعوب، واقتصر التحرّك الرسمي على اتصال أجراه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بالأمين العام لمجلس الوزراء محمود مكيّة طالباً منه التواصل مع “الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً في لبنان” ولجنة معالجة قضية اللبنانيين المعتقلين في سوريا، وهذا ما فعله مكيّة. لكن يبدو أن الجمعيات الانسانية والأحزاب أكثر ديناميكيّة على هذا الصعيد، ويعمل حزب “القوات اللبنانية” من خلال علاقاته الاقليمية والدولية لمعرفة التفاصيل عن أوضاع المعتقلين اللبنانيين في سوريا، وتأمين تواصل مع المسؤولين عن المعارضة التي تسلمت السلطة هناك. وينهمك رئيس مكتب الأسرى والمعتقلين في جهاز الشهداء والمصابين والأسرى ريمون سويدان الذي كان معتقلاً في سوريا أيضاً، في التواصل مع بعض المسؤولين في المعارضة السورية منذ الأمس، ولا تزال المعلومات غير دقيقة مئة في المئة عن واقع الحال في ما يخص المعتقلين اللبنانيين، الذين يبلغ عددهم حوالي 622 معتقلاً، وأبلغه المسؤولون أنهم فتحوا السجون وأخرجوا أكثرية المعتقلين السياسيين، وتمّ الاتفاق على تحضير لوائح عن العدد الفعلي للمعتقلين اللبنانيين، وسيتم ذلك عبر لجان لبنانية أو عبر الدولة اللبنانية أو الصليب الأحمر الدولي. وأكد سويدان “لن نترك المعتقلين في الداخل السوري حتى ولو اضطررنا إلى التوجّه إلى سوريا”.

على خطّ مواز، ينكبّ أيضاً رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين السياسيين في سوريا علي أبو دهن الذي سُجِنَ هناك طوال 13 سنة، على العمل مباشرة مع مرجعيات الثورة السورية في تركيا، وهذه المرجعيات على تواصل مع فصائل المعارضة المسلّحة، وحصل أبو دهن على الجواب نفسه الذي سمعه سويدان، وهو قيام الفصائل المسلّحة بفتح السجون للمعتقلين السياسيين، ولن تكتمل الصورة إلا بعد تنظيم السلطة السورية الجديدة نفسها لمعرفة أوضاع المعتقلين اللبنانيين، وهذا ما سيحصل في الأيام المقبلة.

ويرى أبو دهن أن “الأمور ستصبح أكثر وضوحاً عندما نتأكّد من المعتقلين الأحياء ونجري الـDNA للمتوفين”، وحتماً لن يغيب إسم المسؤول الكتائبي بطرس خوند عن بال “القوات” وجمعية المعتقلين اللبنانيين في سوريا. ويلفت إلى أن “هناك ما لا يقل عن سبعة سجون كبيرة تحت الأرض لا أحد يعلم عنها شيئاً، يجب أن تؤخذ في الاعتبار”. ونشر أبو دهن رقمه الخاص على صفحات مواقع التوصل الاجتماعي الخاصة بجمعيته للاستفسار عن مصير المعتقلين.

واللافت أن الغموض لم يكتنف ملفاً إنسانياً كما اكتنف ملف المعتقلين اللبنانيين في سوريا، بسبب الادعاءات الكاذبة للنظام السوري، والأكثر ايلاماً أن بعض المسؤولين اللبنانيين تبيّن أنه متواطئ معه أو قصّر في متابعة الملف مثل رئيس الجمهورية السابق ميشال عون الذي اكتفى بأن ينقل عن الرئيس السوري السابق بشار الأسد أن لا وجود لمعتقلين لبنانيين في السجون السورية! على الرغم من أنه كان لبعض الأهالي بطاقات وأذونات رسمية من الجهات السورية تسمح له بزيارة أبنائه هناك، وكان يزورهم فعلاً حاملاً لهم الهدايا والطعام والملابس والأدوية!

لا أحد في الكون يستطيع أن يُقنع شقيقة معتقل اسمه حسين اقتادته الاستخبارات السورية من منزله في منطقة الكولا البيروتية بأنه مفقود أو مخفي ومجهول الاقامة في السجون السورية، ذلك أن صوت حسين وصراخه وهو يستنجد بشقيقته من بين جلاديه لا يزال يرنّ في أذنيها، على الرغم من مرور 41 عاماً على عملية الاعتقال المكتملة الأوصاف والشهود والأوراق الثبوتية والمعلومات التي أدلى بها الأسرى المحررون من المعتقلات السورية أمام العميد الركن في الجيش اللبناني سليم أبو اسماعيل والوزير السابق فؤاد السعد وكل الهيئات والمنظمات الحقوقية والانسانية.

لا أحد في لبنان والعالم يُمكن أن يُقنع ايلي روميه بأن شقيقه بشارة العضو في حزب “الوطنيين الأحرار”، والذي اقتادته الاستخبارات السورية من منزله في رياق من أجل بضعة أسئلة، وحملت له والدته كيس الطعام وملابس داخلية مرات عدة إلى معتقل عنجر ليس معتقلاً لدى السلطات السورية. فلو كان ميتاً لأعاده السوريون إلى لبنان أسوة بما فعلوا مع عادل عجوري الذي توفي في مستشفى سجن صيدنايا عام 1999 وغيره ممن أعيدت جثامينهم إلى لبنان ودفنوا بهدوء وصمت.

وكيف يقتنع علي أبو دهن بأن لا لبنانيين في المعتقلات السورية، وقد ترك وراءه العشرات من رفاق الزنزانة في تدمر وصيدنايا، يرددون على مسمعه بما يشبه الوصية أن لا ينساهم في ظلمة السجون ووراء الأبواب السود المغلقة. وهو يملك عشرات الشهادات الموثّقة والتي تؤكّد بما لا يقبل الشك أن ثمة لبنانيين كانوا معتقلين في زنزانات النظام.

هذه الجريمة بحق الانسانية لن تمر مرور الكرام، وفق أبو دهن، فجمعيته قدّمت دعوى ضد نظام الأسد كذلك فعل رئيس “حركة التغيير” ايلي محفوض والنائب السابق لـ”القوات” ادي أبي اللمع على خلفيّة عمليات خطف واحتجاز لبنانيين، فما حصل لهؤلاء المعتقلين من تعذيب ومعاناة وحشية ومهينة للكرامة الانسانية لا يجوز أن يبقى من دون محاسبة. ولكل هذه الأسباب الموجبة يمكن وصف الجرائم المذكورة أعلاه وجرائم الترحيل القسري لعدد كبير من اللبنانيين، ومنعهم من العودة إلى بلادهم بصورة مستمرة، بالجنايات ضد الانسانية التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، وبالتالي يجب أن يُحاكم بشار الأسد أمام المحكمة الجنائية الدولية في أقرب وقت.

شارك المقال