كش رئيس

لينا دوغان

ما يجري في سوريا علينا الأخذ بنتائجه وليس بأسبابه، فإن كانت أسبابه كثيرة ووراءها ألغاز في السياسة بين بيعٍ من هنا وشراءٍ من هناك، إلا أن نتائجه وقعت علينا كالصاعقة، لأنه للحظة خُيل لنا أننا في حلم أو أننا سافرنا عبر زمنين، الزمن الأول عام ٢٠١١ تاريخ الثورة السورية والزمن الثاني عام ٢٠٠٥ تاريخ استشهاد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز، لتجتمع الأزمنة في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤، وتحقق معاً سقوط بشار الأسد ومعه تاريخ طويل من حكم البعث في سوريا.

منذ ما قبل العام ٢٠١١ وسوريا تعيش حالاً من الغليان، إلى أن تفجر الغضب الشعبي على حكم الأسد واندلعت احتجاجات واسعة النطاق ومظاهرات مؤيدة للديموقراطية كجزء من احتجاجات الربيع العربي آنذاك، إلا أن الدعم الذي حصل عليه بشار من جماعات مسلحة تحالفت معه أتى من “حزب الله” وإيران والعراق وروسيا، بوجه تحالف فضفاض لجماعات المعارضة المسلحة على رأسها “الجيش السوري الحر” وجماعات جهادية مثل “النصرة” و”داعش” الى جانب “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) مع تدخل عدد من البلدان إما بالمشاركة العسكرية أو بتقديم الدعم، كل هذا كان جزءاً من المشكلة الكبرى التي وقعت في فخها المعارضة السورية فأصبحت سوريا مقسمة، وعاد نظام الأسد الى ما كان عليه لا وبل أكثر.

وبما أننا لن نأخذ كثيراً بالأسباب، إلا أنه لا بد من المرور على بعض المراحل الرئيسية التي عاشتها سوريا في ظل نظام البعث من الأب الى الولد، حافظ الأسد الذي وصل الى الحكم بانقلاب على السلطة، ومن النتائج المباشرة لهذا الانقلاب إلغاء التعددية والحريات السياسية والاقتصادية، وقيام دولة الحزب الواحد، بل وإنفاذ قانون الطوارئ الذي استمر سريانه منذ العام 1963 وحتى قيام الثورة السورية في العام 2011.

وبعد وفاة الأب ورث بشار السلطة، ومشى على خطى والده، فتميزت المرحلة التي حكم فيها حزب البعث بعزل سوريا، واتسمت دمشق خلال حكم العلويين بالانقلابات والتظاهرات والقمع، من هنا نستطيع معرفة أهمية فرحة السوريين بتحرير حماة، لما لهذه المنطقة الواقعة في الوسط السوري من تاريخ حافل مع هذه العائلة، من تدخل عسكري وحصار وخراب واقتحام بالدبابات وقصف بالطائرات وصولاً الى الاعدامات الجماعية كان قائدها القاسي والعنيف رفعت الأسد شقيق حافظ، الذي أمر عناصره بقتل الناس وذبحهم إلى جانب ممارسات بشعة أقلها التنكيل بهم.

وتحت شعار “شعب واحد في بلدين”، تعامل معنا حافظ الأسد، ليكمل وريثه بالنهج نفسه بل وأكثر، ويعتبر لبنان جزءاً من سوريا، وعلى رفيق الحريري أن يقف معه ومع سوريا، في المحافل الدولية، لا أن يقف مع أبناء وطنه من اللبنانيين الذين بدأوا بالانتفاضة في وجه حكم الأسد، لكن لم يكن لبشار ما أراد، لأن الحريري الذي كانت تلوح له أيادي الأحرار خيفة وخفية حين يمر في شوارع المزة، لاقى قرنة شهوان في لقاء البريستول، وهذا ما لم يعجب لا بشار ولا حلفاء بشار في إيران ولبنان، ليقوموا بجريمة ١٤ شباط ٢٠٠٥ ولنشهد نحن على ثورة قطفنا نتائجها بعد عشرين عاماً وقطفها الشعب السوري بعد ثلاثة عشر عاماً من ثورة قادتها حماة بوجه حافظ تحققت أيام بشار في أقل من ١٠ أيام، ليفر من دون أن يدري به أحد، تاركاً شعبين في دولتين يحتفلان بالانتصار ويبكيان على خسارات لرجالات كبار حق لهم أن يعيشوا هذه الفرحة. بالنهاية لم تعد تهمنا معرفة الأسباب، طالما النتائج في الشطرنج أتت لصالحنا، وكش رئيس.

شارك المقال